|
جمعيات (العلم والخبر) في لبنان
اوضاعها القانونية والعملية
تمهيد
مع
تطور الانظمة السياسية الديمقراطية، ادرك المفكرون والباحثون اهمية انشاء وتكوين
مجتمع مدني، للحيلولة دون استبداد الحاكم، او النخب السياسية المسيطرة، باحكام
القبضة على السلطة، بمنائ عن مراقبة ومحاسبة الرأي العام، عدا عن قدرة هذا المجتمع
بالمشاركة في الحياة العامة، بمختلف قطاعاتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية
منها، وما يترتب عن ذلك من تخفيف العبء عن كاهل القطاع العام والدولة.
من
هذا المنطلق، اعتبر ان وضع الجمعيات هو من صلب تطور الحياة الديمقراطية، وباتت في
المجتمعات المتقدمة، ركيزة من ركائزها، لقدرتها على توليد حالة من التضامن
والاندماج الاجتماعي بين المواطنين، وما يتأتى عن ذلك، من حبك النسيج المجتمعي، عبر
تمكين نشطاء وافراد هذه الجمعيات من توظيف طاقاتهم وقدراتهم الكامنة، للاسهام
بعملية التطور المجتمعي، بنظرة مبدعة خلاقة وحضارية.
لقد بات من الواضح، ان تشكيلات المجتمع المدني في الديمقراطيات الغربية، تلعب دوراً
مهماً يسهم بارتقاء النظام السياسي والاجتماعي لهذا البلد او ذاك، وبات يطلق على
هيئات ومنظمات المجتمع المدني صفة السلطة الخامسة، وذلك بعد ان فرضت نفسها كشريك
فاعل في مجالات الحياة العامة، واظهرت قدرتها الفاعلة بالتأثير على الرأي العام.
لم تأخذ هذه الهيئات
دورها في مجتمعاتنا العربية، الا ابتداءً من عقد التسعينات في القرن الماضي. وما
زالت حديثة العهد. تتفاوت اوضاعها بين بلد وآخر حسب طبيعة النظام السياسي القائم
فيه، ومدى تفلت قبضته على زمام الامور، بفعل عوامل التأثير الناجمة عن انفتاح
العالم على بعضه، وبفعل التطور الهائل لعلوم التكنولوجيا والمعرفة، ولقدرة القوى
المحلية هنا وهناك على تشكيل قوة ضغط هادفة لاعلاء شأن مفاهيم حقوق الانسان، وتوسيع
دائرة نشاط هيئات المجتمع المدني في مختلف مناحي الحياة العامة المعبرة عن مصالح
المواطنين والمجتمع.
كرس المجتمع الدولي مبدأ حرية التجمع، وتشكيل الجمعيات بموجب مواثيق دولية. غير ان
العديد من الدول، ما زال بعضها يتنكر لهذا المبدأ، بمقدار تنكره للحقوق الثابتة
للانسان، وذلك باساليب مختلفة، اذ نراها تعمل على خرقها بالالتفاف عليها تحت
عنوايين وذرائع متعددة.
ان
ما يعنينا من هذا الامر مباشرة هو حالة حق التجمع والجمعيات في لبنان، ومدى احترامه
من قبل السلطات الرسمية، والشريعات القانونية الصادرة بهذا الشأن.
القسم الاول
المصادر التشريعية لحرية الجمعيات
في لبنان:
يبدو لبنان مقارنة مع غيره من البلدان العربية، بانه البلد الاكثر احتراماً وحماية
لقضايا الحريات، ولدرجة شاع وصف الرئيس الدكتور سليم الحص له،. بانه يمتاز بالكثير
من الحرية والقليل من الديمقراطية. ان هذه النظرة العمومية للوضع في لبنان، يقتضي
الا تحجب الصورة الظاهرية الليبرالية عنه، الجانب الاخر منها، وما يحوي من تشريعات
ونظم السلطة وممارساتها العملية، مما يظهر التعارض الحاصل مع المبدأ العام، الذي
يكرس حرية الجمعيات.
اول ما يبرز في هذا المجال، الازدواجية القائمة بالتعامل مع الجمعيات. فمن جانب نجد
جمعيات ترعى اوضاعها احكام الدستور اللبناني وقانون الجمعيات لعام 1909، ومن الجانب
الاخر نجد ان السلطات وضعت انظمة خاصة لبعض انواع من الجمعيات، واخرجتها من مجال
تطبيق احكام قانون 1909، الذي يمتاز بليبراليته ويكرس حق انشائها بحرية. ومن بين
تلك الجمعيات التي وضعت لها انظمة خاصة: النقابات وجمعيات الشباب والرياضة، وهذه
الشريحة تحتاج لترخيص مسبق من الادارة المختصة، بخلاف الاولى المعروفة بجمعيات
(العلم والخبر) التي لا يفرض قانون 1909 الا اعلام الادارة المختصة بانشائها.
وسيتبين لنا تنويعات الجمعيات في لبنان من خلال استعراضنا لاحكام التشريعات الدولية
والمحلية، والتي تخضع لنصوصها الجمعيات في لبنان.
الفصل الاول
المواثيق الدولية التي صادق عليها
لبنان:
أ - ميثاق الامم المتحدة:
وقع لبنان على ميثاق الامم المتحدة الصادر بتاريخ 26 حزيران 1945، وانضم الى
المنظمة الدولية باعتباره عضوا مؤسساً. وقد حدد الميثاق الدولي الاطار العام
لاهداف ومقاصد المنظمة، والغايات المرجوة منها بتحقيق الوصول للهدف الاساسي الذي
انشئت من اجله، وذلك من خلال تحقيق الامن والسلم الدوليين والدفع بالرقي الاجتماعي
قدماً لرفع مستوى الحياة في جو من الحرية افسح. وتضمنت المادة 55 من الميثاق النص
التالي:
(رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سلمية ودية بين
الامم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبان يكون
لكل منها تقرير مصيرها، تعمل الامم المتحدة على:
1-
تحقيق مستوى اعلى للمعيشة وتوفير اسباب الاستخدام المتصل لكل فرد
والنهوض بعوامل التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.
2-
تيسير الحلول للمشاكل الدولية الاقتصادية والاجتماعية والصحية وما
يتصل بها، وتعزيز التعاون الدولي في امور الثقافة والتعليم.
3-
ان يشيع في العالم احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع
بلا تمييز بسبب الجنس او اللغة او الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء، ومراعاة
تلك الحقوق والحريات فعلاً.
ب- الاعلان العالمي لحقوق الانسان:
لقد تمت الموافقة عليه من قبل الدول الاعضاء في الامم المتحدة في 10 كانون الاول
1948، بما فيها لبنان، واعتبر اقراره من شأنه ان يرسي (علاقة رئيسية على طريق
التقدم) بين الامم. ووصف بانه (وثيقة على اعظم قدر من الاهمية) و (تمثل في مجالها
ضمير العالم ومعياراً يمكن ان تقاس به مواقف المجتمعات والحكومات). وقد كرست المادة
20 منه الحق (لكل شخص في الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية) كما نصت الفقرة
الثانية من ذات المادة على عدم جواز (ارغام احد الى الانضمام الى جمعية ما).
ج- العهد الدولي الخاص بالحقوق
المدنية والسياسية:
نظراً لكون الاعلان العالمي لحقوق الانسان (وثيقة معنوية)، جرى استتباعه بصدور
ثلاثة صكوك، عن الجمعية العامة للامم المتحدة، تضفي عليه القوة القانونية، وهي:
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبرتوكوله الاختياري، والصك الثالث
يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة، هذه المواثيق في دورتها الحادية والعشرين،
بتاريخ 16/12/1966، وانضم لبنان الى العهدين المذكورين، بتاريخ 01/09/1972.
كرست المادة 22 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية حرية الجمعيات
بموجب نص ورد فيه: (
1-
يكون لكل انسان حق في حرية تكوين الجمعيات مع الغير والانتماء اليها
يوليه حق تكوين النقابات والانتماء اليها لحماية مصالحه.
2-
لا يجوز تقييد استعمال هذا الحق ياية قيود غير التي يقررها القانون
وتقتضيها الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصيانة الامن القومي او السلامة العامة او
النظام العام او لحماية الصحة العامة او الاداب العامة او لحماية حقوق الغير
وحرياتهم. ولا تتضمن هذه المادة اي حكم يحول دون فرض القيود القانونية اللازمة على
افراد القوات المسلحة والشرطة في استعمالهم لهذا الحق.
3-
لا تتضمن هذه المادة اي حكم يجبز للدول الاطراف في اتفاقية منظمة
العمل الدولية المعقودة عام 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي،
اتخاذ اية تدابير تشريعية او تطبيق القانون باية طريقة تكون مخلة بالضمانات المنصوص
عليها في تلك الاتفاقية.)
كما كرست المادة 8 من العهد الدولي الخاص للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
حرية النقابات، بموجب نص تضمن: (
1-
تتعهد الدول الاطراف في هذا العهد بتأمين ما يلي:
(أ)
حق كل انسان في تكوين النقابات وفي الانتماء الى النقابة التي
يختارها دون الخضوع الا لانظمة المنظمة المعنية. وذلك لتعزيز مصالحه الاقتصادية
والاجتماعية وحمايتها. ولا يجوز تقييد استعمال هذا الحق باية قيود غير القيود التي
يقررها القانون وتقتضيها الضرورة في مجتمع ديموقراطي لصيانة الامن القومي او النظام
العام او لحماية حقوق الغير وحرياتهم.
(ب)
حق النقابات في انشاء الاتحادات او الاتحادات العامة القومية وحق
هذه الاخيرة في تكوين المنظمات النقابية الدولية او الانتماء اليها.
(ت)
حق النقابات في العمل بحرية دون الخضوع لاية قيود غير القيود التي
يقررها القانون وتقتضيها الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصيانة الامن القومي او النضام
العام او لحماية حقوق الغير وحرياتهم.
(ث)
حق الاضراب شرط استعماله وفقاً لقوانين البلد المعني.
2-
لا تحول هذه المادة دون فرض القيود القانونية اللازمة على استعمال
هذه الحقوق من قبل افراد القوات المسلحة او الشرطة او الادارة التابعة للدولة.
3-
لا تتضمن هذه المادة اي حكم يجيز للدول الاطراف في اتفاقية منظمة
العمل الدولية المعقودة عام 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي،
اتخاذ اية تدابير تشريعية او تطبيق القانون باية طريقة تكون مخلة بالضمانات المنصوص
عليها في تلك الاتفاقية.)
الفصل الثاني
التشريعات اللبنانية ذات الصلة:
أ- الدستور اللبناني:
صدر الدستور اللبناني بتاريخ 23/05/1926، وكرس مبدأ حرية الجمعيات بموجب المادة 13
منه، التي نصت (حرية ابداء الرأي قولاً وكتابةً وحرية الطباعة وحرية الاجتماع
وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون).
بتاريخ 21/09/1990 ادخل المشترع اللبناني تعديلاً على الدستور، باضافة مقدمة اليه،
تضمنت في الفقرة ب (لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة
الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة
وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في
جميع الحقول والمجالات دون استثناء). كما تضمنت الفقرة ج ان ( لبنان جمهورية
ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي
والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع
المواطنين دون تمايز او تفضيل).
ب- القوانين والمراسيم الاخرى
المرعية الاجراء بموضوع الجمعيات:
مع
ان الدستور اللبناني قد كرس حرية الجمعيات، غير انه ابقى على التشريع العثماني،
الصادر بهذا الشأن بتاريخ 03/08/1909. وهو التشريع المعروف بقانون (مدحت باشا) او
(قانون العلم والخبر). ومن المعروف ان قانون 1909 قد أُخذ عن القانون الفرنسي
الصادر عام 1901. ويعتبر المرجع الاول والمصدر الرئيسي لمختلف انظمة الجمعيات. اذ
ما زالت له قيمته الاعتبارية النافذة حتى اليوم، لكونه ينظم انشاء الجمعيات ومجالات
عملها وكيفية حلّها.
وقد أُدخل على القانون المذكور تعديلان في فترة الانتداب الفرنسي:
-
الاول في 26/05/1928، بحيث استكملت المادة 3 منه بفقرة اجازت حلّ
الجمعية بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء.
-
الثاني في 28/09/1932، وذلك باضافة فقرة للمادة 12 تفرض عقوبة
الحبس والغرامة على من يشارك في اعمال جمعية تعرقل سير المصالح العامة.
واصدرت الدولة اللبنانية لاحقاً مرسوماً اشتراعياً يحمل رقم 10830 تاريخ
09/10/1963، منعت على اي كان من الاستمرار في جمعية جرى حلّها بسبب جريمة ضد امن
الدولة.
وبدلاً من ان يحافظ المشترع اللبناني على قانون 1909، ويعمل على تطويره، بما يتناسب
مع التقدم الاجتماعي، لجأ الى استصدار تشريعات جديدة، تخرج قطاعات معينة من احكام
هذا القانون، وبشكل يؤدي الى وضع هذه المؤسسات تحت قبضة السلطة التنفيذية، وفرض
وصايتها من خلال مزيد من القيود المحددة للرقابة عليها، لتتحكم بها، خلافاً للمبدأ
العام المكرس لحرية انشاء الجمعيات في قانون 1909.
ومن جملة ما صدر من تشريعات، خارجة عن احكام قانون 1909، نورد:
-
القانون رقم 16/72 تاريخ 15/12/1972، المتعلق بجمعيات الشباب
والرياضة، وخضوعها للترخيص القانوني لاعلان انشائها، ووضعها تحت رقابة وزارة
التربية سابقاً، ووزارة الشباب والرياضة راهناً.
-
المرسوم الاشتراعي رقم 87 تاريخ 30/07/1977 الذي قضى بوضع نظام خاص
للمؤسسات ذات النفع العام، واخضاعها للترخيص المسبق ولسلطة مجلس الوزراء.
-
المرسوم
الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية بتاريخ 20/10/1994، باستحداث (قسم الجمعيات
والمؤسسات التطوعية) داخل الوزارة. ويتطلب الانضمام الى هذا القسم الشروط المشددة.
وذلك استناداً للمادة 22 من المرسوم رقم 5734 تاريخ 20/10/1994.
-
اصدار
المرسوم رقم 17/1999 تاريخ 18/08/1964 ينظم التعاونيات، ويخرجها من دائرة قانون
1909.
-
المرسوم
الاشتراعي رقم 35 تاريخ 09/05/1977، المتعلق بدوره بصناديق التعاضد.
-
اخضاع
النقابات العمالية لقانون العمل الصادر عام 1946، وخضوعها للترخيص المسبق من قبل
وزارة العمل، ووضعها تحت رقابتها. وذلك عملاً بالمادة 86 وما يليها من هذا القانون.
-
اصدار
مرسوم يحمل الرقم 7993 بتاريخ 02/04/1952 يتعلق بانشاء نقابات ارباب العمل ونقابات
المستخدمين.
-
بتاريخ 20/12/1934، اصدر المندوب السامي الفرنسي (دي مارتيل)
القرار رقم 294 ل.ر. اخرج فيه جمعيات المهن الحرة "اطباء، محامون، مهندسون، صيادلة،
صحافة... من نطاق احكام قانون 1909، ونص على عدم امكانية انشاء جمعيات ومهن وحرف
حرة، وبات الترخيص لاي منها يخضع لقانون.
-
اما
بشأن جمعيات الاجانب، فانها ما زالت تحتاج لترخيص مسبق من مجلس الوزراء، تنفيذاً
للقرار رقم ل.ر. تاريخ 31/12/1939، الصادر عن المفوض السامي الفرنسي (غبريال بيو).
-
واخيراً
وليس اخراً، فقد ثابت الادارة الى رشدها، فاصدر وزير الداخلية اللبناني التعميم رقم
10/م/2006 تاريخ 16/02/2007، يحدد آلية جديدة في اخذ وزارة الداخلية والبلديات
العلم والخبر بتأسيس الجمعيات في لبنان، وتسهيل هذا الامر تطبيقاً لاحكام قانون
1909 وتعديلاته.
خلاصة اولية:
رغم ان قانون 1909 قد كرس المبدأ الثابت لحرية انشاء الجمعيات، تكوينها،
ادارتها..... وجعل الرقابة عليها محدودة جداً، غير ان المشترع اللبناني، وممارسات
الادارة، قد نحت منحى اخر يخالف المبدأ العام، وذلك بوضع قيود يحد من حرية انشاء
الجمعيات بغرض احكام قبضة السلطة عليها والتحكم بمسارها.....
ومن الحري ذكره ان الدولة لجأت الى اصدار المرسوم الاشتراعي رقم 153 تاريخ
16/09/1983، الذي عادت والغته بتاريخ 23/03/1985، للاعتراض الكبير عليه، كونه يشكل
خرقاً لمبدأ حرية الجمعيات التي كرسها الدستور .
ويتبين لنا، على ضوء ما عرضناه ان تمييزاً حاصلاً بين الجمعيات، سواء لجهة التأسيس،
ام لجهة المرجعية التشريعية. بحيث بتنا امام عدة انواع من الجمعيات:
-
الجمعيات التي يتطلب انشاؤها قانوناً صادراً عن السلطة التشريعية،
مثل نقابات المهن الحرة وبعد صناديق التعاضد.
-
الجمعيات التي يتطلب انشاؤها ترخيصاً ادارياً مسبقاً: جمعيات
الاجانب، الشباب والرياضة، النقابات العمالية وارباب العمل، صناديق التعاضد،
التعاونيات.....
-
اما الجمعيات الاخرى، المعروفة بجمعيات (العلم والخبر)، ويدخل في
هذا الاطار تشكيلات الاحزاب السياسية، فانها لا تحتاج الا الى الاعلام عن وجودها،
لكي تُنشأ وتخضع لقانون 1909. ويعتبر هذا الاعلام بالمفهوم القانوني معلناً لشخصية
الجمعية المعنوية، وليس مُنشئً لها.
واننا في معرض بحثنا هذا، سنجعله مقتصراً على جمعيات العلم والخبر، والتي تدخل
ضمنها الاحزاب السياسية.
القسم الثاني
جمعيات العلم والخبر/ الاحزاب
السياسية:
الفصل الاول
معاملة الادارة معها
ان
تجربة انشاء الجمعيات، بما فيها الاحزاب السياسية، كانت مريرة مع السلطات اللبنانية
المتعاقبة، وعلى امتداد المراحل السابقة.
ورغم ان قانون 1909 قد كرس مبدأ حرية انشاء الجمعيات، الا ان التعاطي مع هذا الامر،
بقي يخضع لمزاجية الادارة السياسية واستنسابيتها، وذلك عبر ابتداعها لتحريمات
سياسية، بغرض حجب التأسيس عن هذه الجمعية او تلك، وينطبق الامر بذاته على الاحزاب
السياسية.
ومع ان قانون 1909 هو النموذج والاساس لاي تشريع يصدر لاحقاً، ويقتضي انسجامه مع
روحية النموذج، غير ان الادارة اللبنانية اخذت تضيق من مجالات تطبيق قانون
الجمعيات، وتقضم منها لصالح الاجازة لمؤسسة هذه الادارة او تلك باعطاء تراخيص،
خلافاً لنص التشريع الام، الذي ينص على حرية التأسيس. وتجاوز هذا الامر مجال تطبيق
القانون الاساسي، باخضاع جمعيات معينة لتراخيص مسبقة، وبشروط مشددة، كما اوضحنا
اعلاه، والاكثر من ذلك، فان بعض الجمعيات تحصل على تراخيص بموجب قرار اداري يتنافى
مع نص قانون الجمعيات. ولعل السلطات الادارية لها مآرب اخرى، لا تخلو في جانب منها
التنفيعات المالية والسياسية.... وهذه الغاية هي ابعد ما تكون عن تحقيق الهدف الذي
من اجله يتم انشاء الجمعيات لخلق شراكة فعلية بين الدولة والمجتمع المدني، ولقدرة
هذا المجتمع على توظيف طاقات العاملين في قطاعه لصالح الشأن العام.
وبنظرة تاريخية سريعة، وبالعناويين العريضة، والدلائل الحسية، يتبين لنا استنسابية
الدولة في تعاطيها مع تأسيس هيئات المجتمع المدني، بما في ذلك الاحزاب السياسية،
نورد منها على سبيل التعداد لا الحصر:
-
محاولة السلطة عام 1983 بالحد من نشاط الجمعيات والاحزاب، باصدارها
المرسوم الاشتراعي رقم 153، الذي عادت والغته عام 1985.
-
تنكر السلطة لوجود الاحزاب السياسية خاصة تلك ذات الاتجاهات القومية
والماركسية، والتعامل معها كجمعيات سرية غير مشروعة. وقد استمر هذا الوضع حتى جاء
المرحوم كمال جنبلاط عام 1970 وزيراً للداخلية، واعطى العلم والخبر لكافة الاحزاب
التي كانت قائمة في حينها.
-
لجأت الادارة في عام 1991، وفي ظل ظروف امنية صعبة الى الطلب من
هيئات المجتمع المدني، بما في ذلك الاحزاب السياسية، بتسوية اوضاعها خلال فترة
قصيرة محدودة. وقد ادى هذا التدبير الى ابطال تأسيس العديد من الهيئات واعتبارها
فاقدة لشرعية وجودها.
-
مواصلة وزارة الداخلية لنهجها اللاقانوني في ممارساتها، برفض تسلم
الاعلان عن تأسيس الجمعية والبيانات المرفقة به، مما ادى لمراجعة العديد منها لمجلس
شورى الدولة وجاءت قرارات هذا المجلس تؤكد على مبدأ حرية انشاء الجمعياتز نذكر منها
(قرار رقم 169 تاريخ 30/09/1946، قرار رقم 912 تاريخ 30/05/1952، قرار رقم 912
تاريخ 22/05/1967......و لعل الابرز هو القرار الصادر عن ذات المرجع لصالح جمعية
عدل تحت رقم 135/2003 تاريخ 18/11/2003).
وقد باتت تماديات وزارة الداخلية معروفة، ولدرجة التعامي عن النصوص القانونية، اذ
سجل في هذا المجال:
·
اصدار تعميم اداري يسبغ على بيان انشاء الجمعية صفة طلب (الترخيص)
بالاضافة لنموذج محدد لنظام الجمعية، يلزم من يتقدمون بطلب التأسيس، الالتزام به.
·
اخضاع طلب بيان انشاء الجمعية لتحقيقات مضنية لدى مختلف المراجع
الامنية.
·
الاشراف المباشر على انتخابات الجمعية وادارتها، والتدخل في شؤونها.
هذه التصرفات غير القانونية من قبل وزارة الداخلية، نأمل ان تكون قد وجدت حلاً لها،
بالتعميم الذي اصدره وزير الداخلية مؤخراً تحت رقم 10/أ.م/2006 الصادر بتاريخ
16/02/2007. وقد حدد فيه آلية جديدة في اخذ وزارة الداخلية العلم والخبر بتأسيس
الجمعيات في لبنان تطبيقاً لاحكام قانون الجمعيات لعام 1909.
ان
هذا التعميم قد اعاد تصويب الامور، بوضع شرط وحيد هو اعلام الجمعية لوزارة الداخلية
(قسم الشؤون السياسية) ببيانات تأسيسها، من دون ان يحق للادارة رفض اخذ العلم
بانشائها الا في حالتين:
·
عدم تضمين المعاملة المعلومات المطلوبة قانوناً.
·
الا يكون موضوع الجمعية مخالف للاداب العامة او للامن والنظام
العام.
ومع ان لنا ملاحظات على هذا التعميم، لعل ابرزها نشر الاعلام عن التأسيس في الجريدة
الرسمية، بدون الاخذ في الاعتبار تحملا لمؤسسين لمصاريف وتكاليف ذلك،و خلافاً
لقانون 1909 الذي لا يفرض ذلك.
اما على صعيد الممارسة العملية بعد التعميم، فان الشكوى مازالت قائمة من قبل من
يتقدمون بطلب تأسيس جمعيات، تارة بالتأخر لفترات طويلة باعطاء العلم والخبر، وطوراً
بالعودة الى النهج السابق بتحويل المعاملة للتحقيق من قبل المراجع الامينة....؟!
الفصل الثاني
المبادئ الثابتة التي يكرسها قانون
الجمعيات:
بعد ان استفضنا في عرضنا للمراجع التشريعية الدولية منها واللبنانية، وتناولنا مدى
انتقاص الادراة اللبنانية للمبدأ العام الذي يكرس حرية انشاء الجمعيات، مسلطين
الضوء على قانون 1909 واهميته، مثلما تناولنا في جانب اخر سلوك الادارة االتعسفي في
تعاطيها مع هذا القانون، بات يتوجب ان ندخل في صلب مضمونه، لتبيان المبادئ العامة
التي كرسها، وما زالت رغم مرور ما يقارب من قرن على وضعها منسجمة مع المعايير
الدولية في زماننا الراهن. فما هي هذه المبادئ الذي نص عليها القانون:
أ- مبدأ حرية انشاء الجمعية
نصت المادة 2 من قانون 1909 على (ان تأليف الجمعية لا يحتاج الى الرخصة في اول
الامر ولكنه يلزم في كل حال بمقتضى المادة السادسة اعلام الحكومة بها بعد تأسيسها).
ان
هذا النص بوضوحه، يؤكد ان الانشاء مرتبط بارادة المؤسسين ومشيئتهم، وبمجرد التقاء
هذه الارادة وتوقيعهم على النظام الاساسي بمعزل عن اذن من الادارة.
وقد جاءت احكام مجلس شورى الدولة لتكرس هذا المبدأ في العديد من قراراتها السالفة
الذكر.اذ جاء في القرار الصادر لمصلحة جمعية عدل، بتاريخ 18/11/2003 برقم 135/2003
(ان حرية الاجتماع وتأليف الجمعيات هي من الحريات الاساسية التي كفلها الدستور
اللبناني ووضعها ضمن دائرة القانون في المادة الثالثة عشرة منه. ولا يجوز بالتالي
وضع قيود على تأسيسها واجازة حلها الا بنص قانوني، ولا يجوز اخضاعها لجهة صحة
تكوينها لاي تدخل مسبق من جانب الادارة ولا حتى من جانب القضاء) وقد ورد في القرار
المذكور ايضاً (ان الجمعية تؤسس بارادة مؤسسيها عبر اتفاق يضعون بموجبه معارفهم
ونشاطهم المشترك بشكل دائم ومستمر تحقيقاً لغايات واهداف محددة. وان دور الادارة
يقتصر ما دامت الجمعية مجرد اتفاق، على قبول البيان الذي يقترحه القانون واعطاء
اصحاب الشأن علماً وخبراً وايصالاً يثبت اتمام المعاملات المقررة بالقانون وتضمنه
بياناً بالمستندات المقدمة.... وذلك لا يعدو كونه تصريحاً او افادة من وزارة
الداخلية لانها اصدرت علماً وخبراً بتأسيس الجمعية التي تؤسس بارادة مؤسسيها لا
بموجب ترخيص).
وبذلك بات يتوجب على المؤسسين فقط تسليم بيان بواقعة التأسيس للادارة، مرفقاً به
المستندات المحددة بموجب المادة السادسة من ذات القانون. كما بات على الادارة تسليم
المؤسسين وصل استلام اصطلح على تسميته (العلم والخبر).
ويتبين من العودة للمادة 6 من ذات القانون انها قد حددت المستندات المطلوبة، اذ
تضمنت (يمنع منعاً قطعياً تأليف الجمعيات السرية فبناء عليه يجب حالاً عند تأليف
الجمعية ان يعطي مؤسسوها الى نظارة الداخلية اذا كان مركزها في دار السعادة "يقرأ:
الى وزارة الداخلية اذا كان مركزها في بيروت" والى اكبر مأموري الملكية في المحل
اذا كان مركزها في الخارج، بياناً ممضياً ومختوماً منهم يحتوي على عنوان الجمعية
وبيان مقصدها ومركز ادارتها واسماء المكلفين بامور الادارة وصفتهم ومقامهم، ويعطى
لهم مقابل لذلك علم وخبر، ويربط بهذا البيان نسختان من نظام الجمعية الاساسي مصادق
عليهما بخاتم الجمعية الرسمي. وبعد اخذ العلم والخبر تعلن الكيفية من قبل المؤسسين.
ويتحتم على الجمعيات ان تعلم الحكومة في الحال بما يقع من التعديل والتبديل في
نظامها الاساسي او في هيئة ادارتها ومقامها. وهذا التعديل والتبديل انما ينفذ حكمه
على شخص ثالث من يوم اعلام الحكومة به. وينبغي ان يرقم في دفتر مخصوص واي وقت طلبته
الحكومة العدلية او الحكومة الملكية ينبغي ابرازه لها).
على ضوء النصين المذكورين، والتفسير القضائي لمجلس شورى الدولة، يتبين انه ليس من
حق الادارة رفض تسلم طلب الاعلام عن التأسيس، ويقتصر دورها على مراقبة المستندات
المطلوبة بغرض اكتمالها او تصحيحها من قبل المؤسسين في حال حصول اي نقص بها. هذا
من حيث الشكل، اما من حيث الاساس، فان من حق الادارة ان تقدم على حل الجمعية عبر
مرسوم من مجلس الوزراء، اذا كانت الجمعية مخالفة للاداب العامة او النظام العام
وفقاً للمادة 3 من ذات القانون.
ويتبين من العودة الى نص المادة الاخيرة انها لم تُجز (تأليف جمعيات مسنتدة على
اساس غير مشروع مخالف لاحكام القوانين والاداب العمالية او على قصد الاخلال براحة
المملكة وبكمال ملكية الدولة او تغيير شكل الحكومة الحاضرة او التفريق سياسة بين
العناصر العثمانية المختلفة ويرفض اعطاء علم وخبر بها وتحل بمرسوم يصدر في مجلس
الوزراء)
ان
نص المادة المذكورة، ما زال بصيغته العثمانية، بالرغم من انه ادخل عليه تعديل في
26/05/1928، وهو يتعلق بوضع الدولة العثمانية اكثر مما يتعلق بوضع الدولة
اللبنانية. ويقتضي اعادة النظر بهذا النص، وكذلك بنص المادة الرابعة المطلوب
الغاؤها التي منعت (تأليف جمعيات سياسية اساسها او عنوانها القومية او الجنسية)
وهذا النص يناقض بدوره المواثيق الدولية.
في جانب اخر نجد ان قانون 1909، قد لحظ تشكيل الجمعيات السرية، ورتب على
هذا الامر احكام المادتين 12 و13 من هذا القانون، واجاز لمجلس الوزراء منعها من
ممارسة عملها وفرض غرامة مالية عليها. اذ نصت المادة 12 على (ان الجمعيات التي لا
تعلن امرها وتنبئ الحكومة باعطائها البيان وفقاً للمادتين 2 و6 وكما انه بعد منعها
من قبل الحكومة يجازى مؤسسوها وهيئة ادارتها وصاحب محل اجتماعها او مستأجرة
بالاجزاء النقدي.... اذا كانت هذه الجمعية قد تألفت لغرض من الاغراض المضرة او
الممنوعة المبينة في المادة 3 او في قانون الجزاء يحكم ايضاً على حدا بالجزاء
المعين في القانون المذكور). وقد اضيفت للمادة 12 فقرة بموجب المرسوم الاشتراعي رقم
41 تاريخ 28/09/1932 تضمنت: (كل من يشترك على اي وجه كان في جمعية او لجنة او هيئة
ترمي مباشرة او بالواسطة الى عرقلة سير المصالح العامة يعاقب بالحبس.... او
بالغرامة.... او باحدى هاتين العقوبتين) وهذا يستدعي منّا مراجعة قانون العقوبات
اللبناني في الفقرة التالية:
اما المادة 13 فقد قضت على: (من خالف احكام المواد 4 و5 و7 و9 وما لا تعلق له
بالاخبار والاعلان من احكام المادة 6 يجازى بالجزاء النقدي....).
ويتبين ان قانون العقوبات اللبناني النافذ التطبيق منذ اول تشرين اول 1944، قد لحظ
موضوع الجمعيات السرية، في النبذة الثانية من الفصل المتعلق بجمعيات الاشرار.
واعطاها تعريفاً بموجب المادة 237، بأنها (تُعد سرية كل جمعية او جماعة لها في
الواقع صفة الجمعية اذا كان غرضها منافياً للقانون، وكانت تقوم باعمالها او بالبعض
منها سراً. كذلك تُعد سرية الجمعيات والجماعات نفسها التي ثبت ان غرضها مناف
للقانون ولم تعلم السلطة، بعد ان طلب اليها ذلك، بأنظمتها اجتماعاتها وبيان املاكها
ومصدر مواردها او اعطت عن هذه الامور معلومات كاذبة او ناقصة).
وقضت المادة 238 بحل (كل جمعية سرية وتصادر اموالها. ومن كان متولياً فيها وظيفة
ادارية او تنفيذية عوقب بالحبس من ستة اشهر الى سنتين وبالغرامة من مئة الف ليرة
الى مليون ليرة، واما سائر الاعضاء فبنصف العقوبتين).
اما المادة 239 فقد حددت مدى مسؤولية عضو الجمعية السرية في حال اقتراف رفيقه
لجريمة تنفذ لغرض الجمعية.
ومن الجدير ذكره ان الدولة اللبنانية اصدرت مرسوماً يحمل رقم 10830 تاريخ
09/10/1962، ينص في مادته الاولى بحق مجلس الوزراء بحل الجمعيات السياسية اذا ارتكب
اعضاؤها جرائم تمس الامن القومي، وحكم عليهم بموجب احكام قضائية. وقد وُضع المرسوم
المذكور في اعقاب محاولة القوميين السوريين الانقلابية في عام 1960.
وبذلك يكون مبدأ حرية تأسيس الجمعيات مرتبط بارادة المؤسسين، ولا يتوجب على الادارة
الا اعطاء العلم والخبر. اما حلها فانه يخضع لاحكام مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء او
قرار صادر عن السلطة القضائية.
ب- الشخصية المعنوية للجمعية
ومفاعيلها
ان
كافة الجمعيات، المعلنة منها، وغير المعلنة تتمتع بالشخصية المعنوية عملاً باحكام
المادة 8 من قانون الجمعيات التي نصت (كل جمعية اعطت بياناً وفقاً للمادة 6 يمكنها
ان تتقدم الى المحاكم بالواسطة بصفة مدعى او مدعي عليه.... )، وتكتسب الجمعية هذه
الشخصية من ارادة مؤسسيها، ومن الاعلان عنها وفقاً لاحكام المادة السادسة من ذات
القانون، لان المادتين 12 و13، معطوفتين على قانون العقوبات اللبناني، قد حددتا سبل
حل الجمعية اما بمرسوم مجلس الوزراء او بقرار قضائي. وان الشخصية المعنوية لاي
جمعية تأخذ مفعولها منذ لحظة ايداع اوراقها المرجع الاداري، وليس من تاريخ استلام
العلم والخبر. اذ قضى مجلس الشورى في قراره الوارد اعلاه (بما انه خلافاً لاقوال
الدولة تتمتع الجمعية المستدعية بصراحة نص المادة الثامنة المشار اليها باهلية
التقاضي بمجرد تسليمها بيان تأسيسها المذكور في المادة السادسة المذكورة من قانون
الجمعيات وبحكم القانون الى وزارة الداخلية الملزمة بالمقابل بتسليم العلم والخبر
دون ابطاء وهي لا تتمتع في ذلك باية سلطة استنسابية).
ويوفر اكتساب الشخصية المعنوية للجمعية حقوقاً ثابتة، من ابرزها الحق بالاسم
وحمايته، وحق ادارة اموال الجمعية والتفرغ عنها، وحقها في ابرام العقود وقبول
الهبات والتبرعات.... وتبقى الاشكالية في ممارسة هذه الحقوق من قبل الجمعية، بتباطئ
السلطة الادارية باعطاء العلم والخبر، وبشكل استنسابي، مما يتسبب باعاقة التعامل مع
الادارات الرسمية والمصارف.
ج- ادارة الجمعية والرقابة عليها
ان
حرية ادارة الجمعيات مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحرية انشائها بارادة مؤسسيها واعضائها.
ولها حرية اختيار نشاطاتها ضمن نطاق الانظمة والقوانين وعدم مخالفة النظام العام
والاداب العامة. ولا يتضمن قانون 1909 اية نصوص تقيد هذه الحرية، باستثناء الرقابة
اللاحقة من قبل الادارة لجهة التزامها باحترام المبادئ الديمقراطية، من خلال اجراء
الانتخابات الدورية وتداول المسؤولية..... ومدى ممارسة اعضائها لحقهم الديمقراطي
الذي يرتب على عاتقهم الرقابة الحقيقية والفعلية على الجمعية.
ان
رقابة الدولة اللاحقة تنحصر في ابلاغ وزارة الداخلية (مصلحة الشؤون السياسية)
سنوياً ما يلي:
-
حساب القطع للسنة المنصرمة.
-
مشروع ميزانية السنة القادمة.
-
لائحة اسماء اعضاء الهيئة العامة.
ويقتضي ان توضح المستندات المقدمة مشاريع الجمعية المنفذة خلال السنة المنصرمة
وبرنامج النشاطات للسنة التالية، مع تبيان حسابات القبض والصرف، المستندة لسجلات
الجمعية الممسوكة وفقاً للاصول الادارية والمحاسباتية.
وعلى الجميعة ابلاغ المرجع المذكور:
-
قائمة باسماء الهيئة الادارية وتوزيع المهام بينهم، في اعقاب كل
انتخابات تجريها.
-
اي تعديلات يتم ادخالها على القانون الاساسي والنظام الداخلي، يجري
اقراره من قبل الهيئة العامة ووفقاً لنظام الجمعية.
المحصلة النهائية
يتبين لنا على ضوء ما تقدم، ان قانون 1909، ما زال يعتبر التشريع الافضل، كمرجع
قانوني لانشاء مختلف هيئات المجتمع المدني، نظراً لحرية انشاء الجمعيات من حيث
التأسيس، وتحديد طبيعة نشاطها، واداء دورها ضمن نطاق انظمتها، وبمشيئة اعضائها
وارادتهم الحرة وفق الانظمة والقوانين المرعية الاجراء.
وقد تكرست شرعية المبادئ التي نص عليها القانون باحكام صادرة عن المحاكم اللبنانية،
كانت تضع من حين لاخر حداً لتجاوز الادارة للنصوص القانونية بشكل تعسفي، مما استدعى
اخيراً وبعد مخاض عسير الى اصدار وزير الداخلية تعميمه السالف الذكر، الذي قضى
بالعودة الى قانون 1909 لدى التطبيق من قبل الادارة.... وباتت معه كل الهرطقات
التفسيرية ساقطة وثابتة بطلانها.
ومع شعورنا ان هيئات المجتمع المدني بات لها دورها المشهود، الذي تؤديه بجدارة،
خاصة كلما عصف بلبنان حوادث جسيمة، وقد اثبتت فعاليتها، كما تراكمت لديها خبرة
مميزة ومعتبرة، مما بات يستدعي الخلاصات التالية:
-
اعتبار قانون 1909، مرجعية قانونية لانشاء جمعيات وهيئات المجتمع
المدني.
-
اعادة النظر بانظمة الجمعيات التي خرجت من دائرة تطبيق قانون 1909،
لجعلها اكثر حرية في التأسيس، وقطع دابر الاستنسابية من يد السلطة.
-
العمل على الغاء المادتين 3 و4 من قانون الجمعيات لمخالفتهما
للمواثيق الدولية.
-
العمل على اعطاء الجمعيات حق الادعاء في مجال نشاطات تعاطيها.
-
العمل على الحاق الجمعيات بوزارة العدل، بدل من الداخلية واستحداث
سجل للجمعيات لدى كل محكمة بداية باشراف قاضٍ قياساً على نظام السجل التجاري.
-
الغاء عملية نشر الاعلان عن تأسيس الجمعية في الجريدة الرسمية.
-
التزام وزارة الداخلية بتحديد مهلة زمنية لاعطاء العلم والخبر.
لبنان في 27/03/2007 رئيس الجميعة
المحامي نعمة
جمعة
|