|
الوضع القانوني للاجئين غير الفلسطينيين في لبنان
-
نظرة موجزة في واقع
اللجوء في لبنان:
شكل ويشكل لبنان محطة جاذبة للاجانب عموماً، وللاجئين الهاربين من بلدانهم بشكل
خاص، اذ يقصدونه للاقامة والعيش فيه لاعتبارات يمتاز بها، تجعله يختلف عن محيطه،
ولو بشكل نسبي، تتجلى اكثر ما تتجلى بخاصيات تتوفر لكل من يقصده، ويتطلع للاستقرار،
ولو المؤقت فيه.
واننا اذ نترك جانباً موضوع اللاجئين الفلسطينيين عموماً، والمقيمين
على ارضه منذ عام 1948، لانه يخرج عن نطاق بحثنا، نقصر معالجتنا هذه على الاجانب
الاخرين، خاصة اللاجئين منهم والمهجرين قسراً عن بلدانهم، والذين يستقطبهم لبنان،
باعتباره يوفر لهم مساحة من الحرية اكبر، مما هي متاحة في بلدانهم، وامكانية عيش
اكثر وفرة اقتصادياً، بالاضافة لوجود بعثات اجنبية تتقبل طلبات لجوء البعض منهم.
والميزة الابرز وجود مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين
UNHCR،
حيث جُهز وأُعد للنظر في طلبات منح اللجوء لمن تتوفر به المعايير المحددة بموجب
المواثيق الدولية، وتُقدم لمن تعترف به الحماية القانونية والاجتماعية والصحية....
وتجهد باتجاه اعادته الى وطنه الاصلي في حال توفر الظروف المؤاتية، او ايجاد بلد
اخر لتوطينه فيه.
وما يقتضي ذكره، ان لبنان قد كان عرضة لموجات متتالية من اللاجئين، في مختلف
المراحل التي مر بها، وذلك اغلب البلدان الاسيوية والافريقية، التي شهدت تقلبات
سياسية وامنية. هذه الموجات شكلت الى جانب قضية الفلسطينيين عموماً، والمقيميين
منهم خصوصاً، هاجساً وتخوفاً لدى اللبنانيين، بشكل عام، سلطة ومجتمعاً....
ونحن نرى ان المبرر المذكور ساقط، ويرتد على وضع
اللبنانيين الذين يهاجرون نحو بلدان الله الواسعة. اذ تقدر اعدادهم من خلال مختلف
اجيال الهجرة باكثر من عشرة ملايين لبناني او من اصل لبناني. وقد اتاحت التسهيلات
الانسانية التي منحت لهم فرص
النجاح والابداع وبناء مستقبل افضل. وعلى لبنان ان يأخذ هذه المسألة باعتباره لدى
تعامله مع قضية اللجوء.
-
غياب المرجعية
القانونية الصريحة لقضايا اللجوء في لبنان:
ان
مراجعة التشريعات اللبنانية، تظهر عدم وجود اي وصف قانوني او تعريف للاجئ، في
النصوص القانونية اللبنانية المرعية الاجراء. كما يظهر ان كلمة "لاجئ" غير مستعملة
في القانون الوضعي اللبناني الا في حالتين:
·
حالة اللاجئ الفلسطيني، ويشوبها الكثير من التعمية، والغموض
والالتباس في النصوص الصادرة.
·
حالة اللجوء السياسي الواردة في قانون الاجانب الصادر بتاريخ
10/07/1962، والذي يحمل بشكل بارز عنوان "الدخول الى لبنان والاقامة فيه والخروج
منه".
ومن الملاحظ ان تسمية "لاجئ" وردت حصراً في الباب الثامن من هذا القانون، ويقتصر
ورودها في معرض تناول اللجوء السياسي، وذلك بموجب المواد 26 -27- 28 – 29 -30 – 31،
من ذات القانون. ومن المهم التوضيح ان ورود ما ذكرناه، اقتصر على اللجوء السياسي من
دون التطرق لاي نوع آخر من انواع اللجوء، ولم تحدد النصوص المذكورة المعايير وطريقة
الحصول على اللجوء وطرق المراجعة، مما يجعل اللجوء السياسي خاضعاً لمزاجية السلطة
السياسية وانتقائيتها، بديلاً وبمنائ عن اي ضوابط قانونية.
ان
الدولة اللبنانية بتعاميها عن قضية اللجوء وتجاهلها، رغم انها امر واقع على ارض
لبنان، وحصر تعاطيها بموضوع "الاجانب" من حيث الدخول والخروج والاقامة، ليعطي
الدليل القاطع على رفض الادارة مواجهة مسألة اللجوء القانوني الذي عرّفت عنه
اتفاقية الامم المتحدة للجوء لعام 1951، والبروتوكول الملحق لعام 1967، اذ ان
الدولة اللبنانية تمتنع حتى تاريخه عن توقيع الاتفاقية المذكورة.
وفي محاولة منها، اتجاه ضغظ الواقع ومضاعفات مسألة وجود اللاجئين في
لبنان، وبغرض التهرب من تحمل مسؤولياتها، لجأت الى توقيع اتفاقية تفاهم مع مكتب
المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان بتاريخ 09/09/2003. هذه المذكرة من حيث
مفاعيلها لا تشكل حلاً لمعالجة مسألة اللجوء، ولا يمكن ان تكون بديلاً عن الاتفاقية
الدولية لعام 1951.
هذه المذكرة اوكلت لمفوضية اللاجئين تسلم طلبات اللجوء في غياب هيئة حكومية لهذا
الغرض. وبذلك يكون المكتب هو المخول الوحيد لتحديد وضع اللاجئ وتقويمه. وتشترط
المذكرة على المفوضية استقبال طلبات اللاجئين في لبنان ممن لم يتعدى تاريخ دخولهم
البلاد خلسة الشهرين، لتدرس ملفه وتمنحه وضعية اللاجئ اذا توفرت الشروط المعقدة،
وتمنحه تصريحاً للتجول يعرف عنه، ريثما تجد المفوضية بلداً امناً له او تعيده طوعاً
الى بلاده.ومذكرة التفاهم هذه تشوبها العيوب الكثيرة، لكونها لا تشمل حالة اللاجئين
القدامى المكتومين، ولا توفر الحماية من الترحيل او الاعادة القسرية او التوقيف.
ان
رفض السلطة اللبنانية التعاطي مع واقع اللجوء الموجود والثابت على ارضه والتعامل مع
اللاجئين والمهجرين قسرياً باعتبارهم "اجانب" يفقد هذه الشريحة عنصر الحماية
القانونية ويعرض افرادها للتوقيف والملاحقة من قبل هذه السلطات، ومن ثم ابعادها
عملاً بمضمون المادة 32 من قانون الاجانب الوارد ذكره اعلاه. ومما يزيد الطين بلة
ان مشروع قانون العقوبات الذي كانت تدرسه لجنة الادارة والعدل، قد ضمن في نصوصه
فقرات تقضي بالابعاد الحكمي للذي يرتكب جرماً محدداً، وذلك بخلاف القانون الحالي
والساري المفعول، الذي يترك امر الابعاد لتقدير المحكمة.
وما يمكن قوله بايجاز ان اللاجئين غير الفلسطينيين المقيمين في لبنان، معرضون في
وجودهم للتوقيف والابعاد حيناً، وللتسامح وغض النظر بحسب التقلبات السياسية، وذلك
بسبب غياب حماية القانون لهم، بموجب نصوص قانونية صريحة. ونرى في هذا السلوك مخالفة
لما التزم به لبنان في مقدمة دستوره وتوقيعه ايضاً على اتفاقية مناهضة التعذيب.
-
نظرة في واقع
اللاجئين العراقيين:
تسببت الاحداث الاليمة في العراق، والتي اتخذت اشكال الصراع الاثني والمذهبي
والطائفي، في هجرة ونزوح ما لا يقل عن اربع ملايين لاجئ عراقي، غادروا اراضيهم
باتجاه البلدان المجاورة بشكل خاص، سوريا التي يوجد على ارضها (1200000) لاجئ وفق
تقديرات مفوضية الامم المتحدة لشوؤن اللاجئين، كما تقدر تقريبياً عدد العراقيين في
لبنان بـ (40000) لاجئ. وقد اجرى المركز الدنماركي للاجئين بتفويض من المفوضية في
عام 2005، مسحاً تناول اللاجئين العراقيين في لبنان، وقدرهم بعدد (20000) عراقي.
ويتبين ان عدد الذين تسجلوا لدى مكتب المفوضية لا يتجاوز (5000) عراقي، وهذا الرقم
ما زال ضئيلاً بالمقارنة مع عددهم الاجمالي في لبنان. وتشير قيود المفوضية ايضاً
الى ان عدد الذين تقدموا بطلبات لجؤ سياسي لديها بين عامي 2002-2005 هو (2772)
عراقياً.
ويشير دومنيك طعمة (موظف الحماية في المكتب) الى ان 95% من طالبي اللجوء يدخلون
لبنان خلسة، وان 80% منهم عراقيون. وان من بين (1600) طالب لجوء من جنسيات مختلفة
احصتهم المفوضية عام 2006، نال منهم فقط (176) شخص صفة لاجئ، ومن مختلف الجنسيات.
ويورد احد الموظف المذكور لدى مكتب المنظمة انه (بعد تفاقم الاحداث في العراق منذ
عام 1990، ارتفع عدد طالبي اللجوء العراقيين في لبنان فغيرت السلطات اللبنانية
مقاربتها للموضوع، وعمدت الى توقيف طالبي اللجوء وسجنهم وحتى ابعادهم، علماً ان من
حق اللاجئ التمتع بحماية دولية خصوصاً اذا اتى من بلد يعاني نزاعات مسلحة او عنفاً
شاملاً.... وطلبت المفوضية من السلطات اللبنانية تأمين حماية مؤقتة لحاملي الجنسية
العراقية، لكن الامر لم يلق تجاوباً ملائماً من الدولة).
ويعتبر المدير الاقليمي لمفوضية اللاجئين (ستيفان جاكميه)، ان المفوضية تتبنى
التعريف الاوسع لعبارة لاجئ، فيما يتعلق بالعراقيين، وهو ينطبق على من ترك بلاده
نتيجة (خوف مبرر من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه او دينه او جنسيته او انتمائه الى
فئة اجتماعية معينة او الى آرائه السياسية، ولا يستطيع او لا يرغب بسبب هذا الخوف
ان يستظل حماية هذا البلد). وتطبقه من حيث المبدأ على لاجئي جنوب ووسط العراق.
هذا وقد تابعت جمعيتنا قضايا اللجوء من مختلف الجنسيات، وركزت عملها في عام 2005،
على موضوع اللاجئين العراقيين في جنوب لبنان. وقد تم تنظيم ملفات اكثر من 65 لاجئاً
عراقياً مكتوماً من قبل المفوضية، وتم ربطهم بها. كما تابعت قضائياً مسألة
الموقوفين لدى السلطات اللبنانية، واحصت ما لا يقل عن 50 موقوفاً في النصف الثاني
من عام 2005، كانت تصدر بحقهم احكام قضائية بما لا يقل عن مدة شهر حبس عقوبة بسبب
دخول الاراضي اللبنانية خلسة، وغرامة مالية، وتسليمه للامن العام تمهيداً لابعاده،
خلافاً لما ذهبت اليه محاكم اخرى وقضت بعدم الابعاد عملاً باتفاقية مناهضة التعذيب.
وان جمعيتنا هي بصدد متابعة قضايا اللاجئين عموماً والعراقيين نظراً لاعدادهم
الكبيرة، وهي تنظم ملفات لهم، وتتقبل مراجعاتهم لمعالجتها مع الاطراف المعنية.
ان
مراجعة قيود الاعداد الواردة، والمأخوذة عن مكتب المفوضية، تظهر ان هذا الملف بحاجة
لرعاية اكثر، سواء من قبل مكتب المفوضية، التي لنا ملاحظات وملاحظات على اداء
العاملين لديها، وتعاطي البعض منهم بشكل لا انساني، كما لمسنا، ويشتكي الينا
الغالبية المطلقة ممن يراجعوننا. كما هو بحاجة لرعاية افضل من قبل السلطات
اللبنانية.
ان
هذه الشريحة الواسعة من الوافدين الى الارض اللبنانية، تعاني مرارة العيش والحياة
المزرية في واقعها اليومي، وهو لا يقل مشقة عن رحلة العذاب باتجاه لبنان، من خضوعها
للابتزاز المادي من قبل عصابات تتولى عملية ايصالهم، وتعرض قطاع الطرق في اثناء
رحلتهم المضنية. هذا الوضع ينتافى مع الكرامة الانسانية التي حفظتها المواثيق
الدولية لاي انسان في هذا العالم.
-
مدى مشروعية تصرف
الدولة مع اللاجئين:
ان
لبنان الذي يتذرع بالقيم الانسانية وبالمفاهيم الحضارية، ومع تفهمنا لمجمل هواجسه
اتجاه قضية اللجوء، قد الزم نفسه باعطاء هذه الشريحة حقها القانوني، رغم عدم توقيعه
على اتفاقية عام 1951. فهو من جهة اولى قد وضع في مقدمة دستوره فقرة "ب" انه "
عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق
الانسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء".
والترجمة العملية لهذه الفقرة هو التزام لبنان بكافة المواثيق الدولية بدون تجزئة
او انتقائية، بما في ذلك اتفاقية اللجوء. والزم نفسه في الوقت ذاته بالاعلان
العالمي لحقوق الانسان، وبالتزامه بالاعلان يكون قد التزم بتطبيق المادة 14 منه
التي تتعلق بحق اللجوء. ومن جهة اخرى ابرم لبنان الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب
بتاريخ 24/05/2000، التي تنص في مادتها الثالثة على عدم اخراج الاجنبي من البلاد
حتى ايجاد حل دائم له من قبل المكتب الاقليمي للمفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون
اللاجئين، وقد اخذت المحاكم اللبنانية بهذا النص في معرض الاحكام الصادرة عنها
وطبقت الاتفاقية.
-
في ضرورة تطبيق
لبنان لإلتزاماته الدولية:
ان
الدولة اللبنانية، وعلى مختلف مستوى مؤسساتها الدستورية، مدعوة لان تترجم اقوالها
في حقل الاصلاح والتغيير، وتنزيه القوانيين وتنقيتها من الشوائب، التزاماً منها
بمقدمة الدستور اللبناني، الى افعال، تتجلى بصياغة نصوص قانونية واضحة وصريحة، لا
تحمل اي لبس او غموض، لتظهر مدى مصداقية التزامها بالاعلان العالمي لحقوق الانسان
وبالمواثيق الدولية، وتسلك مسلكية تحفظ للانسان حقوقه وكرامته بما ينسجم مع روحية
هذه النصوص والتزام الدولة.
واننا اذ نسجل للقضاء اللبناني فهمه العميق لموقع القانون الدولي في سلم التشريعات،
وتقدمه على القانون الوطني، خاصة ما صدر عنه في الاونة الاخيرة من احكام تتعلق
بموضوع الحريات وقضايا عدم ابعاد اللاجئين، دون ان يفوتنا التذكير بقرارات صدرت عن
المجلس الدستوري، قضت بقبول الطعون المقدمة اليه وابطال قوانين صادرة عن السلطة
التشريعية تخالف الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
قد
بات يتوجب على الدولة في هذه المرحلة الخروج من الالتباس الذي اوقعت نفسها به
بموضوع اللجوء، وانجاز المهام التالية:
1-
العمل على مطابقة
القوانيين الداخلية للتشريعات الدولية.
2-
تعديل التشريعات المتعلقة باللجوء السياسي، وتضمينها نصوصاً واضحة
تشمل كافة انواع اللجوء بمعاييره ومواصفاته الدولية وتحديد آلية تطبيقه وطرق
المراجعة بشأنه.
3-
عدم تمرير النصوص
القاضية بابعاد اللاجئين في مشروع قانون العقوبات.
4-
اغلاق سجن الامن
العام كلياً لمخالفته للقواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء.
لبنان في 08/06/2007 رئيس الجميعة
المحامي نعمة جمعة
|