تقرير حول الانتخابات النيابية الفرعية في لبنان

الاشكالية الدستورية والقانونية

اصدر مجلس الوزراء اللبناني المرسوم رقم 493 تاريخ 3/7/2007، القاضي بدعوة الهيئات الانتخابية النيابية الفرعية في دائرتي جبل لبنان الثانية (المتن) وبيروت الثانية (المصيطبة- الباشورة- الرميل)، لانتخاب نائب عن المقعد الماروني في (المتن) ونائب عن المقعد السني في بيروت الثانية. وقد حدد المرسوم موعد اجراء العملية الانتخابية نهار الاحد في 05/08/2007.

ومن الجدير ذكره ان مقعد دائرة المتن الانتخابية، قد شغر بتاريخ 21/10/2006، باغتيال النائب عنها بيار امين الجميل. ولم تجرِ دعوة الهيئات الانتخابية، ضمن المهلة الدستورية، لانتخاب بديل عنه. كما شغر مقعد دائرة بيروت الثانية، باغتيال النائب وليد عيدو بتاريخ 13/06/2007.

ويعود السبب في عدم الدعوة لملء المقعد الشاغر في المتن، الى الخلاف المستحكم بين اطراف مواقع ومؤسسات الحكم في لبنان، منذ 11/11/2006، تاريخ استقالة ست وزراء من وزارة حكومة الرئيس السنيورة، من بينهم الوزراء الشيعة الخمسة. واعتبار هذه الحكومة برأي الطرف المعارض (فاقدة لشرعيتها وميثاقيتها)، ويشاركهم في هذا الرأي رئيس الجمهورية، الذي يرى بدوره، ان هذه الحكومة في حالة (انعدام الوجود)، وبالتالي اعتبار (كل قراراتها غير دستورية وغير قانونية)، وفق ما يتبين من عديد الرسائل التي ارسلتها امانة سر رئاسة الجمهورية الى امانة سر مجلس الوزراء.

ان دعوة الهيئات الناخبة لاجراء الانتخابات الفرعية في الدائرتين المذكورتين، ظهّرت الجدل الدستوري القائم في لبنان، حول العديد من النقاط الخلافية بين فريقي النزاع اللبناني. وابرزت احد عناوين هذا الجدل الى الواجهة، في فترة عصيبة، كما هو معروف، يمر بها لبنان. اذ تتكاثر الفتاوى الدستورية، وتتنوع حسب مصلحة كل فريق

وما يعزز من حدة الجدل الدستوري، وتباين وجهات النظر حول العديد من العناوين والقضايا اللبنانية الملحة، ويسهم بتعقيد الامور، غياب المرجعية الدستورية التي من شأنها البت باي قضية مطروحة لحسم النزاع. مما يقتضي في هذه العجالة استعراض وضع المرجعيات الدستورية، خاصة المجلس الدستوري، ومجلس النواب بصفته سلطة تشريعية، وذلك باعتبارهما اهم مؤسستين معنيتين للحسم في هذا المجال.

 

وضع المجلس الدستوري الراهن:

فالمجلس الدستوري في لبنان، مع ادراكنا انه لا يملك صلاحية تفسير القوانين، قد تم تعطيله، بداية بانتهاء ولاية عضوين من اعضائه، دون ان تختار السلطة التنفيذية بديلين عنهما. هذا التأخير فسّر بانه موقف اعتراضي على اختيار المجلس النيابي، بتاريخ سابق، لثلاثة اعضاء، لا ترتاح السلطة التنفيذية لهم. وفي اعقاب الانتخابات النيابية الجديدة عام 2004، برز توجه جديد لدى السلطة التشريعية باعادة النظر بقانون المجلس الدستوري. فقد اصدر هذا المجلس القانون رقم 679 تاريخ 19/7/2005 يقضي بتأجيل النظر في المراجعات المقدمة للمجلس الدستوري، بما فيها الطعون الانتخابية، ريثما يستكمل عدد اعضائه. وبناء لطعن مقدم من تكتل (الاصلاح والتغيير) اتخذ المجلس الدستوري القرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005، قضى بـ (ابطال القانون رقم 679/2005 ابطالاً كلياً لمخالفته احكام الدستور والمبادئ الدستورية المكرسة فيه او المعتمدة ضمن الكتلة الدستورية). بعد صدور هذا القرار اعلن خمسة من اعضاء المجلس الذين انتهت ولايتهم موقفهم بالتوقف عن متابعة العمل، وذلك افساحاً منهم في المجال للسلطات المختصة وحضها على استكمال تعيين البدلاء، ورفضاً منهم من جهة اخرى الاستمرارية وفقاً لمبدأ استمرارية السلطات والمرافق العامة المكرس في المادة الرابعة من النظام الداخلي للمجلس.

وبتاريخ 12/06/2006 ادخل مجلس النواب تعديلات جديدة على قانون المجلس الدستوري، فسّرت المادة الثانية من التعديل بانها احيت ولاية جميع اعضاء المجلس، واجازت للاعضاء المنتهية ولايتهم استئناف مهامهم.

ادخل هذا التعديل المجلس الدستوري في سجال مع ذاته وبين اعضاءه، بقسميه المنتهية ولايتهم، والمتبقين منهم، وهم الروؤساء: غبريال سرياني، عفيف المقدم، مصطفى منصور، اميل بجاني وسامي يونس. اذ بادر رئيس المجلس الدستوري المنتهية ولايته الرئيس امين نصار لدعوة المجلس، ولقي طلبه الرفض من الاعضاء المتبقين. وبذلك يكون هذا المجلس قد تعطل وشلّت فاعليته كمرجع دستوري يمكن الالتجاء اليه في حال الخلافات الدستورية التي هي ضمن دائرة اختصاصه وصلاحياته.

 

واقع المجلس النيابي الحالي:

اما المجلس النيابي بصفته سلطة تشريعية، يقع ضمن دائرة اختصاصه سن القوانين والتشريعات التي من شأنها ان تحسم الكثير من موضوعات الجدل الدستوري والقانوني، علماً بان صلاحية المجلس في تفسير القوانين موضع جدل بدورها. فانه اصيب ايضاً بحالة من الشلل والتعطيل. فهو لم يدعى خلال فترة دورة انعقاده العادية الاولى  لعام 2007، المنصوص عنها في الدستور اللبناني (م.32) والتي تبدأ من يوم الثلاثاء الذي يلي 15 اذار وتستمر حتى نهاية شهر ايار. علماً بان دورة تشرين الماضية، قد حال دون تواصلها، اعتصام المعارضة في ساحتي رياض الصلح والشهداء ابتداء من 1/12/2006، والذي ما زال متواصلاً حتى تاريخه. ويرفض كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب طلب الدعوة لفتح دورة استثنائية للمجلس النيابي، تحت عنوان (عدم شرعية وميثاقية) الطلب المقدم من مجلس الوزراء....

 

النصوص الدستورية والقانونية ذات الصلة بدعوة الهيئات الناخبة: 

 ان دعوة مجلس الوزراء لاجراء الانتخابات الفرعية لملء المقعدين الشاغرين في بيروت والمتن، يستدعي استعراض النصوص الدستورية والقانونية، وجوانب الالتباس والغموض فيها، واوجه التناقض بتفسيرها من قبل فريقي النزاع في لبنان.                                             

نحاول في تقريرنا هذا ان نستعرض الجوانب الدستورية والقانونية المتعلقة بهذا الموضوع.

 

النصوص الدستورية:

نصت المادة 24 من الدستور اللبناني على ان (يتألف مجلس النواب من نواب منتخبين يكون عددهم وكيفية انتخابهم وفقاً لقوانين الانتخاب المرعية الاجراء)

وقد ادخل على نص المادة المذكورة فقرة مضافة بموجب التعديل الدستوري رقم 18 تاريخ 21/09/1990، قضت بتوزيع المقاعد النيابية بين الطوائف، الى حين وضع (قانون انتخاب خارج القيد الطائفي).

ونصت المادة 41 من الدستور اللبناني بانه (اذا خلا مقعد في المجلس يجب الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين. ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد اجل نيابة العضو القديم الذي يحل محله).

وبذلك يكون المشترع اللبناني قد كرس للمواطن اللبناني حقاً دستورياً بالاقتراع بصورة دورية لانتخاب ممثليه. وجاء قرار المجلس الدستوري رقم 2/97 تاريخ 24/07/1997، ليثبت هذا الحق، بابطال القانون رقم 655 تاريخ 24/07/1997 المتعلق بتمديد ولاية المختارين والمجالس الاختيارية،  لكون (التمديد قد عطل مبدأ دستورياً هو مبدأ دورية الانتخاب وحرم الناخب من ممارسة حق الاقتراع خلافاً للمادة 7 من الدستور).

ما يقتضي ذكره ان لبنان قد اعلن التزامه بالاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية بموجب الفترة "ب" من مقدمة الدستور. كما صادق على الاعلان العالمي، الذي كرس لكل فرد الحق في الاشتراك في ادارة الشؤون العامة لبلاده اما مباشرة واما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً (م.21). كما صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي كرس بدوره هذا الحق بموجب نصوص المادتين 22 و25 منه.

وبذلك يكون حق اختيار ممثلي المواطنين حقاً دستورياً محفوظاً بموجب نصوص الدستور اللبناني، والمواثيق الدولية التي صادق عليها لبنان، وتكرس هذا الحق بوجوب اجراء العملية الانتخابية في مواعيدها المحددة، بموجب حكم المحكمة الدستورية المنوه عنه اعلاه.

 

النصوص القانونية الواردة في قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب

صدر اخر قانون انتخابي في لبنان بتاريخ 06/01/2000، وهو القانون المعمول به حالياً. وقد جاء هذا القانون لينظم العملية الانتخابية ويوزيع الدوائر طائفياً ويحدد مدة ولاية مجلس النواب.

تضمن في مادته الاولى نصاً يحدد عدد اعضاء مجلس النواب 128 عضواً، وتكون مدة الولاية اربع سنوات. كما نصت المادة الثانية من هذا القانون على تحديد عدد المقاعد النيابية وتقسيم الدوائر الانتخابية وفقاً لجدول ارفق به. وبتاريخ 06/01/2000 اضاف المشرع اللبناني بموجب القانون رقم 171 فقرة على المادة الثانية تتضمن (بصورة استثنائية وللدورة الانتخابية التي تجري بعد نشر هذا القانون بما فيها الانتخابات الفرعية التي قد تجري خلال هذه الدورة وفي الدوائر الانتخابية التي يتعذر فيها الاقتراع على بعض الناخبين او كلهم، يحدد عدد ومواقع مراكز اقلام اقتراع خاصة، بمراسيم تصدر بناء على اقتراح وزير الداخلية....) ونصت المادة السابعة من القانون المذكور بان (تدعى الهيئات الانتخابية بمرسوم وتكون المهلة بين تاريخ نشر هذا المرسوم واجتماع الهيئات الانتخابية 30 يوماً على الاقل. وتجري الانتخابات العامة خلال 60 يوماً التي تسبق موعد انتهاء ولاية المجلس النيابي وذلك فيما خلا الحالة التي يحلّ فيها المجلس.....)، كما نصت المادة الثامنة على انه (اذا شغر احد المقاعد بسبب الوفاة او الاستقالة او لاي سبب اخر، تجري الانتخابات بالمقعد الشاغر خلال 60 يوماً ابتداء من تاريخ شغوره ويعتبر المركز شاغراً من تاريخ الوفاة...).

وبذلك يكون الدستور اللبناني قد ترك امر تنظيم قانون الانتخابات للسلطات التشريعية، فجاءت احكام هذا القانون الاخير متطابقة مع احكام الدستور.

ومنذ بداية ولاية مجلس النواب الحالي المنتخب في ربيع 2005، شغر، في مرحلة سابقة، مركز نائبين من اعضاء المجلس النبابي، وذلك بوفاة النائب الدكتور ادمون نعيم، وصدر مرسوم بدعوة الهيئات الناخبة خلال المهلة الدستورية والقانونية، وفاز النائب بيار دكاش بالتزكية لملء المقعد الشاغر. كما شغر ايضاً مركز النائب جبران تويني عن بيروت، وصدر ايضاً مرسوم بدعوة الهيئات الناخبة خلال المهلة الدستورية والقانونية، وفاز النائب غسان تويني بالتزكية لملء المقعد الشاغر.

كانت العلاقة في تلك الفترة غير متفجرة بين المعارضة والمولاة وبين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ولم يكن هناك اي اشكال بالدعوة لملء المقعدين الشاغرين.

بتاريخ 11/11/2006، وعلى اثر استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة، قاطع رئيس الجمهورية جلسات مجلس الوزراء، معتبراً هذه الحكومة غير شرعية استناداً لنص الفقرة "ي" من مقدمة الدستور، وامتنع بالتالي عن توقيع اي مرسوم يصدر عنها باعتبار هذه المراسيم صادرة واقعاً عن سلطة (تفتقر للشرعية والمشروعية الميثاقية).

انقضت المهلة الدستورية والقانونية بعد اغتيال النائب بيار الجميل بتاريخ 21/11/2006، من دون دعوة الهيئات الناخبة لملء المقعد الشاغر. وجرى تعطيل النص الدستوري بسبب الخلاف الحاد بين رئيس الجمهورية والحكومة، خاصة لجهة المرجع الصالح لاصدار مرسوم الدعوة لاجراء الانتخابات الفرعية.

ومن الجدير ذكره، انه جرى استطلاع رأي هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل، وبناء على طلب وزير العدل، لمعرفة (مدى جواز ان يتخذ مجلس الوزراء قراراً بدعوة الهيئات الناخبة الى اجراء الانتخابات الفرعية في المتن. حتى يتم تطبيق المادة 56 من الدستور على مثل هذا القرار في حال رده او عدم صدوره عن رئيس الجمهورية). وقد رأت هذه الهيئة، التي لها الصفة الاستشارية، انه لا يصح ان يتخذ مجلس الوزراء قراراً بدعوة الهيئات الناخبة لاجراء الانتخابات الفرعية في المتن، وذلك في حال عدم صدور مرسوم الدعوة من المرجع المختص. وعللت رايها استناداً لتطابق مواد الدستور مع قانون الانتخابات في هذا الخصوص. ورأت ان (مشترع قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب، قد جعل دعوة الهيئات الانتخابية، سواء لاجراء الانتخابات النيابية العامة او الانتخابات الفرعية، وكذلك تحديد عدد مراكز اقلام الاقتراع الخاصة ومواقعها "الحال المنصوص عليها بموجب النص المضاف الى المادة الثانية" رهناً بصدور مرسوم عادي بناء على اقتراح وزير الداخلية، الامر الذي يعني ان المشترع الدستوري ومن بعده مشترع قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب، قد اخرجا مسألة دعوة الهيئات الانتخابية، سواء لاجراء الانتخابات النيابية العامة او الانتخابات النيابية الفرعية كلياً، من دائرة صلاحيات السلطة الاجرائية ممثلة بمجلس الوزراء) ورأت هذه الهيئة، كما ذكرنا اعلاه، عدم صحة اتخاذ (مجلس الوزراء قراراً بدعوة الهيئات الانتخابية لاجراء الانتخابات الفرعية في المتن، في حال عدم صدور الدعوة من المرجع المختص).

ويتبين من العودة للدستور اللبناني، الذي جرى اعتماده منذ تبني وثيقة الوفاق الوطني في مؤتمر الطائف واقرار التعديلات الدستورية الصادرة بتاريخ 21/09/1991، قد نص على وجود اربعة انواع من المراسيم في الجمهورية اللبنانية وهي:

-   المرسوم الموقع من رئيس الجمهورية وحده "صلاحية حصرية" مثل مرسوم تسمية رئيس الحكومة "م.53 دستور" ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة "م.53 وم.54 دستور" ......

-   المرسوم الموقع من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء "صلاحية مشتركة" مثل مرسوم تسمية الوزراء الاعضاء في الحكومة، او مرسوم اصدار القوانين. "م.54 دستور".....

-   المرسوم الصادر عن مجلس الوزراء بعد اتخاذ القرار في اجتماع له وفقاً للمادة 65 دستور مثل تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارئ، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.... ولرئيس الجمهورية الحق بالطلب من مجلس الوزراء اعادة النظر في هذا النوع من القرارات خلال مدة 15 يوماً من تاريخ ايداعها رئاسة الجمهورية.

-   المرسوم العادي المنوط به تسيير اعمال الدولة والمؤسسات مثل مرسوم التشكيلات القضائية او العسكرية او العائدة للسلك الدبلوماسي، ويندرج في هذا الاطار الدعوة لاجراء الانتخابات الدورية او الفرعية.....

في اعقاب اغتيال النائب وليد عيدو بتاريخ 13/06/2007، حسمت الحكومة امرها سياسياً، رغم مقاطعة رئيس الجمهورية، والوزراء الشيعة، الذين لم يصدر حتى تاريخه مرسوم قبول استقالتهم، فاتخذ في جلستها المنعقدة بتاريخ 16/06/2007، قراراً حمل رقم "1"، واحالته على رئيس الجمهورية لاخذ توقيعه عليه. غير ان رئيس الجمهورية، عبر المديرية العامة، ابلغ الحكومة موقفه برد قرارات مجلس الوزراء المتخذة..... غير ان الحكومة في جلستها المنعقدة بتاريخ 25/06/2007، اصرت على قرارها السابق، واعتبرت المرسوم قطعياً، ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 03/07/2007، يحمل الرقم 493.

بتاريخ 06/07/2007 تقدم مواطن (متني من التيار الوطني الحر)، جوزيف اوريان، بمراجعة لدى مجلس شورى الدولة، طلب بموجبها وقف تنفيذ وابطال المرسوم رقم 493، والمفاعيل اللاحقة به، واعبتاره لاغياً لتجاوز حد السلطة، ولعدم الصلاحية، ولمخالفته في صدوره الاصول القانونية الشكلية من جوهرية المفروضة بموجب احكام الدستور لا سيما المادة 41 منه، لكونه مخالفاً لقانون الانتخاب في مادته السابعة، ولمخالفة مجلس الوزراء قرار هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، ولمخالفته مبدأ شرعية الاعمال الادارية، واستطراداً في الاساس لمخالفته المادة 41 من الدستور والمادة 8 من قانون الانتخاب تضمنه دعوة الهيئات الناخبة في جبل لبنان الدائرة الثانية.

وقد رد مجلس شورى الدولة هذه المراجعة، بموجب قراره الصادر بتاريخ 18/07/2007، معتبراً ان المجلس الدستوري هو المرجع الصالح لبت هذه المراجعة، و (ان صلاحية بت الانتخابات النيابية والاعمال الادارية التمهيدية للاجراءات الانتخابية اصبحت وفق الدستور اللبناني من صلاحية المجلس الدستوري بعد صدور قانون رقم 250 تاريخ 14 تموز 1993 المتعلق  بانشاء المجلس الدستوري).

وقد صدر هذا القرار عن غرفة الرئيس البرت سرحان، بالاكثرية، وبتعليل مستفيض استناداً الى الدستورين اللبناني والفرنسي، مع تسجيل مخالفة للرئيس، يرى فيها: (ان موضوع المراجعة يدخل ضمن صلاحية مجلس شورى الدولة بصفته المحكمة العادية للقضايا الادارية، وباعتبار ان المرسوم المطعون فيه يعتبر من الاعمال المنفصلة عن الاعمال الانتخابية، ويخرج بالتالي من صلاحية المجلس الدستوري بصفته قاضي الانتخابات النيابية).

وفي طلب وقف التنفيذ اشارت المخالفة الى انه (عملاً باحكام المادة 77 من نظام مجلس الشورى، نرى ان شرطي وقف التنفيذ المنصوص عليهما في تلك المادة متوفران في المراجعة، مما يقتضي وقف تنفيذ المرسوم المطعون فيه). نرفق ربطاً صورة قرار مجلس شورى الدولة لاهميته.

ولكون هذا القرار لم يحسم النزاع بشأن المرسوم المذكور، لرده المراجعة تحت عنوان عدم الصلاحية، واعتبارها من صلاحية المجلس الدستوري، مما عرض قرار مجلس الشورى للنقد والاعتراض، ووصف هذا المجلس بانه نأى بنفسه عن الدخول في صراع شديد الاحتدام، ومخالفاً النطرية الحديثة للفقه القائلة بتقليص نطاق نظرية العمل الحكومي في القضايا الانتخابية، ومع ذلك فان الانتخابات ستجري في موعدها، مع الجدل القائم حولها، كما يتبين من الترشيحات التي قدمت عند نهاية المهلة المحددة بتاريخ 20/07/2007. ويترتب على اجرائها عدة اشكاليات دستورية وقانونية، من بينها: مدى اعتراف رئيس مجلس النواب بنتائجها...؟ تعرض النتيجة الانتخابية للطعن امام المجلس الدستوري (المعطل)....

هذا المرسوم فتح باب الجدل الدستوري والقانوني على مصراعيه من قبل الطرفين المتنازعين. اي طرف رئيس الجمهورية والمعارضة، والطرف الاخر رئيس الحكومة والموالاة. ولكل طرف حججه وذرائعه الدستورية والقانونية، يتكئ عليها لتبرير وجهة نظره. وهذا ما سنعرضه في الفقرات اللاحقة.

 

حجة رئيس الجمهورية والمعارضة في لا شرعية ما يتخذه مجلس الوزراء من مراسيم وقرارات وسندهما القانوني:

يتذرع رئيس الجمهورية والمعارضة بنص الفقرة "ي" من مقدمة الدستور التي ورد فيها (لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك) ويعتبر هذا الطرف ان استقالة الوزراء الشيعة، باعتبارهم يمثلون طائفة اساسية، تخل بالتركيبة الطائفية لافتقار الحكومة لعنصر رئيسي من مكونات النظام الطائفي في لبنان. ويسند هذا الطرف رايه بنص المادة 95 من الدستور التي قضت في الفقرة "أ" ولمرحلة انتقالية، بان (تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة) ويروا ان عدم وجود وزراء شيعة في الحكومة الراهنة يشكل مخالفة لنص المادة المذكورة.

ومن اللافت ان كافة اطراف النزاع في لبنان يتجاهلون مقدمة المادة 95 المذكورة  والتي ادخلت بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/09/1990، فقرة مضافة على نص المادة القديم، تضمنت (على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية). واعتبرت المادة 95 المذكورة تمثيل الطوائف، مرحلة انتقالية.

هذه الفقرة على اهميتها، وما هو معول على تنفيذها، مع ما تضمنه اتفاق الطائف من بنود اصلاحية، لاخراج الواقع اللبناني من مأزقه الطائفي، جرى التنكر لها، بقيت حبراً على ورق الدستور اللبناني، ولم تتخذ اي خطوة عملية باتجاه وضعها موضع التنفيذ، باستثناء حالة خجولة يتيمة، تمثلت باقدام الرئيس الجمهورية السابق الياس الهراوي على تقديم كتاب لمجلس النواب بهذا الخصوص، وكانت دوافع التلويح بها، الخلاف بين الروؤساء الثلاثة على تقاسم الحصص والمناصب. وقد لف غبار ارشيف المجلس هذا الكتاب. ومن البنود الاصلاحية الواردة في الدستور المعدل، تطبيق اللامركزية الادارية، وسياسة الانماء المتوازن (فقرة "ز" من مقدمة الدستور)، واستحداث مجلس شيوخ، عملاً بنص المادة 22 دستور معدل، الى جانب المجلس النيابي بصيغته اللاطائفية، تتمثل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.

في جانب اخر يتذرع رئيس الجمهورية بصلاحيات منحته اياها المادة 53 من الدستور المعدل التي تكرس حقه:

(1-يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء دون ان يشارك في التصويت.

2-.......

11- يعرض اي امر من الامور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال).

        ويتبين ان المادة 64 المعدلة قد حددت صلاحيات رئيس مجلس الوزراء واولته مهمة رئاسة (الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء) ومن جملة الصلاحيات المشتركة بينه وبين رئيس الجمهورية، فيما يتعلق بموضوعنا، فقد نصت المادة المذكورة على ما يلي:

(- يوقع مع رئيس الجمهورية جميع المراسيم ما عدا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة "بند 4".

- يدعو مجلس الوزراء الى الانعقاد ويضع جدول اعماله. ويطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث "بند 7").

 

حجة رئيس مجلس الوزراء وفريق الموالاة في شرعية ما يتخذه مجلس الوزراء من مراسيم وقرارات وسندهما القانوني:

في مقابل ذرائع وحجج رئيس الجمهورية والمعارضة حول (شرعية او ميثاقية) مجلس الوزراء تتذرع الحكومة والفريق الموالي لها بنص الفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور المعدل، التي ورد فيها (يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقر خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر. ويكون النصاب القانوني لانعقاده اكثرية ثلثي اعضاءه ويتختذ قراراته توافقياً. فاذا تعذر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته باكثرية الحضور. اما المواضيع الاساسية فانها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحددة في مرسوم تشكيلها. ويعتبر مواضيع اساسية ما يأتي: تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارئ والغاؤها، الحرب ولاسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الاولى او ما يعادلها، اعادة النظر في التقسيم الاداري، حلّ مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الاحوال الشخصية، اقالة الوزراء).

ومن المعروف ان الحكومة استمرت في عقد جلساتها واتخاذ قرارات واصدار مراسيم، رغم مقاطعة رئيس الجمهورية لجلساتها، ورفضه التوقيع على كل ما يصدر عنها. وحجة الحكومة في شرعية ما يصدر عنها كون عدد الوزراء المتبقين في الحكومة، رغم استقالة ست وزراء، هم 24 وزيراً. وبالتالي فان هذه الحكومة تضم اكثر من ثلثي اعضاء مجلس الوزراء، قياساً على العدد المحدد في مرسوم تشكيلها، والبالغ 30 وزيراً.