مـكــتـب

      المحــــامي نعــمــة جــمـعـة

                    - صيدا -

     شارع رياض الصلح - ساحة الراهبات

         - بناية العلي سنتر - طابق6

750452 -723524 - 313807/03- 462202/03

فاكس : 750452/07

انتهاكات اسرائيل للمواثيق الدولية

في معرض تعاملها مع ملف الاسرى والمعتقلين.

اعداد : المحامي نعمة جمعة

 

ملف الاسرى والمعتقلين في معتقل الخيام والمعتقلات الاسرائيلية ،  يبقى حياً ،  ويشكل جرحاً مفتوحاً في ضمير البشرية ومواثيقها الدولية ،  وينزف ألماً قهراً معاناةً ،  بدون حدود ،  للمعتقلين وذويهم وللوطن بأسره .   انه كبُر كـ    ( كرة نار)  ،  وانساب كسيل (لعنة) منذ عام 1982  ،  دون ان يعرف مصباً له ،  وما زال ينتظر خاتمةً سعيدة وخلاصاً يطبع بسمة الفرح على الشفاه وفي الروح ،  ولو فوق ركام الموت والآلام .  هذا الملف التحدي ،  تناوبت على تناوله قوى ومنظمات وهيئات انسانية ...  وقيل فيه الكثير ،  واطلقت بشأنه صرخات وبيانات التنديد والاستنكار ،  ومع ذلك بقي مفتوحاً ،  لان العدو الاسرائيلي لا يمتلك الا آذاناً صمّاء ،  لا تسمع غير ما يرضي تسلطه واستبداده ،  وعقلاً مغلقاً ينضح بالعنصرية والعداء للآخرين ،  هذا العقل يستند لمقولة (شعب الله المختار) المزعومة ،  وكأن لله سبحانه وتعالى شعباً ممتازاً مميزاً دون بقية شعوب الارض ،  ويبيح لنفسه ما يترتب على هذه المقولة من نتائج ،  تتجلى بمعاملة الآخرين على انهم (أغيار) (غوييم) ،  ليس لهم من حقوق تجاه هذا (الشعب المختار)  ،  بل عليهم تأدية الواجب نحوه بخضوع واذلال ، واجب العبيد نحو الاسياد . 

الحديث يطول في هذا المجال ،  اذ نحن بموازاة عدو صهيوني يتماهى في عقيدته ومفاهيمه مع عُقد تحمل وزر التاريخ منذ بداية تكوينه ،  لتسكنه وتتلبسه فتولد فيه هذه العداوة ،  يقذفها حقداً ،  ضغينةً على الآخر في هذا العالم ،  الآخر الذي تجسد بنا حصراً من دون كل (الأغيار) ،  فندفع بذلك غرم ذنب لم نقترفه ، ويتلذذ الجلاد بقهرنا وتعذيبنا تلذذاً (مازوشياً) بمستوى لذة القاتل الفاجر العاهر العابث بدم ضحيته ...  ولذة (رهط الماعز)  تمتد من معتقلات (الرهائن المنسيين) و(خراف للمقايضة) عبر قانا ومجزرتها ،  إلى عمق اريحا ، وبقر ما بها وما عليها وصولاً إلى بطون الحبالى فيها ...  بدون مغفرة الا للزانية (رحاب) ... (1) ان القهر قد تجاوز اكثر من مستوى وصعيد ،  واستطال لاكثر من مدى ومجال ،  غير مدرك ذلك الطاغوت المتجبر المتسلط ،  الذي ضربه العمه ان عقله قد تكلس وتجمد عند محطات (التيه) و(السبي) و (الهولوكوست) وبافق المساحات التاريخية الضيقة لتلك المحطات ...  غير مدرك ان تسلطه قد ولّد ضحية والضحية لم ولن تستسلم لجلادها مهما بلغ من العتو والغطرسة،  وهي تنتفض في وجهه ككتلة النار ارادة ومقاومة ،  فتكسر بانتفاضتها الافق المسدود ،  والارادة الصلبة قادرة على ان تحطم عتو الجلاد وصلافته ،  وتكسّر اضلاع مظلة (العولمة الجديدة) ،  التي يستظل بها هذا العدو ،  وتهشم انيابه المفترسة المتوحشة ،  لكونها تسعى لتعطيل كل القيم الانسانية ،  لتودي بها وترديها ،  بدورها ،  ضحية ،  وتحاول نحرها حتى الجوهر والاعماق ،  بسكين التسلط والاستبداد وحماية الطغيان .  ان هذه الذهنية السائدة ،  مما لا جدال فيه ،  انها اتاحت ان يعتمد العدو الاسرائيلي ،  العنف اسلوباً ونهجاً في عمله السياسي فيكرسه كمبدأ في التعاطي ،  ويعلي من شأن هذا التوجه المريب على حساب المبادئ السامية التي شرعنتها البشرية ،  مقدراً ان انتهاجه لهذا الاسلوب بكل بربريته يحقق له مشاريعه العدوانية غير المشروعة ،  بدون حسيب أو رقيب ،  وبرعاية (العولمة الجديدة)  بأشكالها المتوحشة . 

قد يبدو كلامنا مأخوذاً على اطلاقه ،  ومتجاوزاً للوهلة الاولى ،  من قبل القارئ ،  لعموميته من جهة  ،  ولاعتيادنا على مفردات التخاطب المتداولة من جهة أخرى  ،  وكأن ما ندلي به قد جاء بمثابة كلام نطلقه على عواهنه ،  لكوننا طرفاً عانى ويعاني من هذه البربرية الغاشمة .  ومن المفيد للدلالة ابراز عنوان في هذا السياق ،  له معناه ،  يضيئ بشكل واضح على ما نتذرع به ،  والعنوان هو قرار دولي ،  صادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 10/11/1975 ،  يحمل الرقم 3379 ،  اعتبرت فيه الجمعية (ان الصهيونية شكل من اشكال التمييز العنصري)  (2)   هذا القرار افقد الدول العبرية صوابها برفضها له ،  وردة فعلها عليه تجلت في موقف مندوب الدولة المذكورة في الامم المتحدة ،  (حاييم هيرتزوك) الذي اصبح لاحقاً رئيساً للدولة ،  الذي تصرف بما يتنافى مع العرف الديبلوماسي ،  اذ اخذ القرار ،  لحظة صدوره ،  ومزقه وداسه تحت قدميه (3) .  ولم يكن الموقف الامريكي من القرار اقل تأثراً وانفعالاً من موقف الدولة العبرية ،  فالرئيس الامريكي (ريغن) ،  وفي رسالة وجهها إلى المنظمة الدولية بتاريخ 24/10/1985 ،  (ذكر فيها ان القرار 3379 ابشع قرار اتخذته الامم المتحدة في كل تاريخها وطالب بالغائه)  (4)  وانتهجت الادارة الامريكية سياسة (اعدام) القرار ،  الذي وصفه مندوبها في الامم المتحدة بعبارة (اللطخة) ،  ووضعت مدى زمنياً لتحقيق غايتها في حدود عام 1990  (5) .  وكان لها ما شاءت عشية انعقاد مؤتمر مدريد 1992 .   

الشرح يطول في هذا الموضوع ،  وتستوعبه مجلدات واطروحات ...  وتجليات العنف والارهاب الصهيوني المخالف لكافة الشرائع الدولية ،  قد تجلى مؤخراً في آخر حدثين :  الاول الاجتياح الجوي التدميري للبنان ليلة 24-25/6/1999 الذي استهدف البنية التحتية الاقتصادية ،  بالرغم من طابعها المدني ،  بدءاً من محطة الجمهور وبصاليم ومروراً بالجسور والمعابر ...  وما ولده هذا الفعل التدميري من ضحايا بشرية في اوساط المدنيين ... ، بحيث توصل هذا العدو أخيراً وبشكل متفرد  لوضع  قواعد خاصة به للعدوان ، تعيدنا إلى عصور ما قبل التاريخ ، يضع بالمفهوم الاقتصادي (تسعيرة)  ،  ويتعامل مع الشأن الانساني بالمفهوم المادي بشكله (التبادلي) ،  إذ نجد قادته يهددون رداً على أعمال المقاومة بضرب محطة كهرباء مقابل مقتل جنديين صهيونيين وبضرب جسر يربط المناطق ببعضها مقابل مقتل اكثر من هذا العدد من جنوده ...؟!     بدون ان ننسى ما اطلقه من عناوين وشعارات سياسية هجينة على مفردات القانون الدولي  ،  مثل امتلاكه لـ (بنك التدمير) للبنى التحتية في لبنان .  الثاني قرار المحكمة العليا الاسرائيلية الصادر في 22 نيسان 1999 المتعلق برد طلب الافراج  المقدم من وكيلة الطفل (علي مصطفى توبة)  المعتقل ،  من مدرسته في ارنون بتاريخ 3/10/1997 ، ورفاق له ،  من بينهم والده، بذرائع واباطيل ،  سوف نناقشها لاحقاً ،  اعتمدتها المحكمة المذكورة لكونها تشكل هرطقة في فهم القانون الدولي وتطبيقاته .

ان الشرح والمناقشة في مسألة انتهاك اسرائيل للمواثيق الدولية يطول ويتشعب ،  لان اسرائيل والعدوان توأمان منغوليان متشابهان ملتصقان بشكل يصعب التمييز بينهما  (6)  ،  بحيث بدت هذه الدولة منذ نشأتها نقيض القانون ، تحكمهما علاقة الضدية بشكل متلازم ومستمر ،     ومن وحي هذه المناسبة  ، الاحتفال بيوم الاسير اللبناني ،  سوف نقصر مداخلتنا هذه على موضوع انتهاكات اسرائيل للمواثيق الدولية في معرض تعاملها مع ملف الاسرى والمعتقلين . 

 

المواثيق الدولية والحقوق المحفوظة للانسان :

لا يمكننا ، في معرض استعراضنا للأصول والمصادر التشريعية ، التي ترعى حقوق الإنسان،   في المواثيق الدولية، الا ان نتوقف مطولاً أمام وضع المنطقة المحتلة من لبنان من قبل العدو الصهيوني والأحكام التي ترعى وتنظم شؤون المنطقة المذكورة . وان وقفتنا هذه تفترضها وتتطلبها ابسط الأولويات والمعطيات الوطنية ، نظراً لما يترتب عن هذا الاحتلال غير المشروع من نتائج ومعاناة لاهلنا في المنطقة المحتلة وتأثير هذا الاحتلال على الواقع اللبناني بكامله .

نعتقد اننا لسنا في وارد الاستعراض التاريخي للصراع مع العدو الاسرائيلي ، بقدر ما نحن  في وارد سياق التأكيد على ثوابت قانونية تحدد العلاقة مع العدو المذكور . هذه العلاقة التي تنظمها اتفاقية الهدنة لعام    1949 وأحكام ميثاق الأمم المتحدة الذي كان وما يزال معنياً بمعالجة مسألة العلاقة مع العدو المذكور ، هذه المعالجة التي أدت إلى إصدار القرارين  رقم 425 و 426 الصادرين  عن مجلس الأمن الدولي لسنة 1978 اللذين  يلزمان العدو  بالانسحاب من أرضنا بدون اي قيد أو شرط ، يضاف إلى ذلك القرارين اللاحقين ، الأول  رقم 450 الصادر بتاريخ 20/1/979  والثاني رقم 474 الصادر بتاريخ 19/6/980 .   هذان القراران اللذان جددا (التأكيد على أهداف القرارين)  السابقين رقم 425 و 426، في الفقرة الأولى لكل منهما ، اذ  نص القرار الأول في فقرته العاشرة على تأكيد  ( تصميمه ،   " اي مجلس الأمن " في حال استمرار عرقلة تنفيذ مهمة القوة على دراسة الوسائل والطرق العملية المتفقة مع ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة بتأمين تنفيذ القرار 425 تنفيذاً كاملاً ) ، مثلما اكّد القرار رقم 474 في فقرته السادسة على القيام بالمهمة ذاتها  التي لم تبصر النور لغاية تاريخه. ان هذا الأمر يستدعي منا استعراض ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة في هذا الشأن كما يستدعي بحث مدى مراعاة اتفاقيات جنيف التي وضعت سنة 1949 لحماية ضحايا الحرب ، في كل نقطة على حدة :

ان كافة المواثيق الدولية لم تكن وليدة لحظة صدورها ،  ولم تخرج إلى حيز الاعلان الا بعد ان انتاب البشرية في وجدانها وضميرها الجراح العميقة ،  فجاءت لترسي قواعد قيم سامية تنظم علاقة البشر والدول في ما بينهم ،  وتترسخ وتتجذر عبر نضال البشرية وشعوبها بعد ان تعمدت بشلالات من الدم .  وتكريسها في مواثيق وعهود دولية جاء ليحفظ للانسان كرامته وحقوقه المشروعة ،  وتحفظ للشعوب حقها في تقرير مصيرها ،  وقد كرست المجموعة الدولية مؤسسات تسعى وتحرص على تطبيق المواثيق والعهود ،  واوجدت آليات عمل لتلك المؤسسات ،  هذا دون ان يفوتنا التذكير بان ما تم انجازه ما كان ليتم لولا سيادة منطق المفاهيم والقيم بفعل اراء الفلاسفة والمفكرين والارتقاء بمستوى الوعي وتحت تأثير ضغط المجموعة البشرية ،  التي كانت السباقة في هذا المجال لتشكيل مؤسساتها المدنية الفاعلة والعاملة على الصعيد الدولي ،  كمنظمة العفو الدولية ،  وبموازاة المؤسسات الدولية نفسها ن  اذ تلعب تلك المؤسسات دور الرقيب والحسيب على المؤسسات الدولية والمحرض لها لتطوير مفاهيمها والارتقاء بمستويات اداء عملها .  وما يعنينا في هذا الجانب الذي نحن بصدده ما يلي :

 

1- النصوص الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وعدم مشروعية العدوان :

بالعودة إلى الميثاق المذكور نجده ، والألم العميق ينتابنا لعدم تطبيق أحكامه واستمرار معاناتنا مع العدو الاسرائيلي ، ينص في ديباجته بتصميم واضعيه ، وبإرادة المجموعة الدولية على: (التأكيد من جديد ايماننا بالحقوق وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية) لتأخذ المجموعة  الدولية على نفسها العهد بـ : (ان ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وان نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية افسح)  وتعلن عن عزمها في: (ان نستخدم الاداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها) .

ولهذا الغرض فقد حدد الميثاق في المادة الأولى بأن: (مقاصد الأمم المتحدة هي : 1- حفظ السلم والأمن الدولي وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم وإزالتها ، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم ، وتتذرع بالوسائل السلمية ، وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي ، ...)   مثلما نصت المادة الثانية في فقرتها الرابعة على أنه: (يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية  عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على اي وجه آخر لا يتفق ومقاصد "الأمم المتحدة" ) .

ولضمان تنفيذ هذه المبادئ والأهداف فقد تضمن الميثاق المذكور في المادة 51 ما يلي: (ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول ، فرادى أو جماعات ، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى ان يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي،... ) هذه النصوص هي بلا جدال تحسم مسألتين لهما دلالتهما :

 

        - مسألة تقصير مجلس الأمن الدولي عن تنفيذ قراراته لإزالة الاحتلال الاسرائيلي  .

        - مسألة حق الدفاع المشروع لإزالة الاحتلال ومقاومته وتكريس الشرعية  الدولية لمناهضة الاحتلال ، مما يكسب  المقاومة الوطنية مشروعيتها .

 

 

2- اتفاقيات جنيف لحماية ضحايا الحرب والانتهاكات الحاصلة :

ان الاتفاقيات المذكورة قد وضعت في نهاية مؤتمر دولي عام سنة 1949  ،  بدعوة لانعقاده  من مجلس الاتحاد السويسري ، بغرض إعادة النظر في الاتفاقيات التي تنظم وترعى شؤون الحرب ، على ضوء ما تعرضت له البشرية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقد اقر المؤتمر نصوص الاتفاقيات الآتية :

1- اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان .

2- اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى بالقوات المسلحة في البحار .

3- اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب .

4- اتفاقية جنيف الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب .

ان ما يعنينا في هذا المجال ، كون الدولة اللبنانية ، منذ عام 1948 ، لم تكن طرفاً مباشراً في  الصراع الحربي ،  ما يتعلق بالاتفاقية الرابعة بشكل خاص وبالاتفاقية الثالثة بشكل عام .

 

الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين :

ليس من باب المفارقة ان نجد العدو الاسرائيلي غير آبه بالحقوق المنصوص عنها في الاتفاقية المذكورة وذلك انسجاماً مع نهجه العدواني الا وهو عدم احترامه للنصوص الواردة في ميثاق الأمم المتحدة ، لأسباب معروفة.

وفي العودة للاتفاقية المذكورة ، من حقنا ان نتساءل : ما هو النص الذي لم يتطاول عليه العدو ويبقى بمنأى عن انتهاكاته ، إذ في ممارساته اليومية  قد ارتكب ويرتكب ابشع الفظائع ، ليس فقط في احتلاله ارض دولة مستقلة وتشريد أبنائها ، وانما بارتكابه لسلسلة لا عد لها من المجازر البشرية ابتداء من مجزرة حولا عام 1948 وانتهاء بمجزرة قانا عام 1996 ، دون ان يفوتنا التذكير بمجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 . هذه السلسلة المتعددة الحلقات في المجازر قد رافقتها سلسلة لا عد لها ولا حصر في الاجتياحات والاستباحات المتكررة للأرض اللبنانية ابتداء من اجتياح عام 1972 وحتى اجتياح 1996 ...

وفي عودة لاتفاقية جنيف لحماية ضحايا الحرب المتعلقة بشأن حماية الاشخاص المدنيين ،  فانها في المادة الثالثة فقرة ب قد حرمت (اخذ الرهائن) وفي الفقرة ج حظرت (الاعتداء على المكرامة الشخصية ) اما المادتين 30 و 31 فكانتا اكثر ايضاحاً وتحديداً بشأن عدم ممارسة التعذيب .  ونصت المادة 43 على حق (أي شخص محمي ،  يعتقل أو يوضع في مكان معين له الحق في اعادة النظر في هذا الاجراء باسرع ما يمكن بواسطة محكمة أو لجنة ادارية تعينها الدولة الحاجزة لهذا الغرض)  اوجبت المادة المذكورة على الدولة الحاجزة ان تقدم (باسرع ما يمكن إلى الدولة الحامية اسماء الاشخاص المحميين الذين اعتقلوا أو خصصت لهم محلات اقامة معينة )  وتضمنت الاتفاقية المذكورة العديد من النوص التي تحفظ حق الانسان في كرامته وصحته واسلوب التعامل معه وعلاقته باهله وذويه من بينها المادة 81 المتعلقة بالعناية الطبية واعالته و(اعالة الاشخاص الذين يعولهم المعتقلون) والمادة 85 المتعلقة بضمان ايواء المعتقلين (في مبان أو اماكن تتوفر فيها كل الشروط الصحية الممكنة)  والمادة 116 التي سمحت للمعتقل (باستقبال زائريه وعلى الاخص اقاربه في فترات منتظمة ... ويسمح للمعتقلين بقدر المستطاعة ،  زيارة منازلهم في الحالات العاجلة على الاخص في حالات الوفاة أو مرض الاقارب مرضاً خطيراً ولضمان التزام الدولة ،  التي تعتقل مواطنين مدنين بمبادئ اتفاقية جنيف ، فقد فرضت المادة 143 على الدولة المذكورة بان تصرح (لممثلي أو مندوبي الدول الحامية بالذهاب إلى جميع الاماكن التي يوجد بها اشخاص محميون ،  وعلى الاخص المعتقلات والسجون واماكن العمل . ويكون لهم حق دخول جميع المباني التي يشغلها اشخاص محميون ، ويمكنون من مقابلتهم دون رقيب اما شخصياً أو بواسطة مترجم .  ولا يجوز منع هذه الزيارات الا لضرورة حربية قهرية ولا يكون هذا الا اجراءاً استثنائياً ومؤقتاً فقط ،  ولا يجوز تحديد مدتها وعددها .  ويكون لمثل هؤلاء الممثلين والمندوبين الحرية المطلقة في اختيار الاماكن التي يرغبون زيارتها ... على ان يسمح لمواطني المعتقلين بالاشتراك في الزيارة .  ييمنح مندوبو اللجنة الدولية للصليب الاحمر هذه المزايا .  وتعتمد الدولة التي تيسطر على الاراضي التي يقومون فيها بواجباتهم تعيين هؤلاء المندوبين )  وقد حالت الاتفاقية المذكورة ولو نظرياً دون ارتكاب (المخالفات الخطيرة ) التي تمس الجسم والصحة والنفي والابعاد ...  واخذ الرهائن ،  بتكريس وضع حد لتلك المخالفات والعمل على تلافيها في اسرع وقت ممكن .

3- الاعلان العالمي والحقوق الثابتة للانسان :

ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 قد اولى هذا الامر اهمية قصوى فاعتبر في الاسباب الموجبة لهذا الاعلان ،  في مقدمة ديباجته ،  ان (تناسي حقوق الانسان وازدراؤها قد افضيا إلى اعمال همجية آذت الضمير الانساني ، وكان غاية ما يرنو اليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة)  وليرفع شأن اعلاء القانون في العلاقات الدولية ويشرع الثورة على الظلم والاستبداد بقوله : (ولما كان من الضروري ان يتولى القانون حماية حقوق الانسان لكي لا يضطر المرء آخر الامر إلى التمرد على الاستبداد والظلم) .  اما المادة 28 من الشرعة المذكورة فقد اقرت (لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الاعلان تحققاً تاماً ) ولتعلن المادة 30 من ذات الشرعة اعلاء شأن هذه الحقوق وعدم مسها من أي مرجع كان بقولها :  ليس في هذا الاعلان نص يجوز تأويله على انه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه  .

4- العهد الدولي الخاص المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية وحقوق الانسان الثابتة :

اذا كان الاعلان العالمي هو اعلان يشهر المبادئ العامة (لجميع اعضاء الاسرة البشرية من حقوق غير قابلة للتصرف ولها حرمتها)  فان العهد الدولي الخاص المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والمصدق عليه سنة 1966 ،  قد جاء اكثر تجسيداً لهذه المبادئ وتضمن (تدابير للتنفيذ)  ،  فقد انطلق العهد المذكور من (الكارمة المتأصلة في جميع اعضاء الاسرة الدولية وبحقوقهم المتساوية التي لا يمكن التصرف بها بشكل ،  استناداً للمبادئ المعلنة في ميثاق الامم المتحدة ،  اساس الحرية والعدالة والسلام في العالم)  وليؤشر في ديباجته إلى (انبثاق هذه الحقوق من الكرامة المتأصلة في الانسان)  فينص في مادته الاولى على حق (كافة الشعوب في تقرير المصير .  ولها ، استناداً لهذا الحق ان تقرر بحرية كيانها السياسي وان تواصل بحرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي)  ولتحرم المادة الثانية فقرتها الاخيرة عدم جواز (بحال من الاحوال حرمان شعب ما من وسائله المعيشية الخاصة)  وتكرس المادة السادسة الحق الطبيعي في الحياة لكل انسان (ويحمي القانون هذا الحق ولا يجوز حرمان اي فرد من حياته بشكل تعسفي)  كما تتطرق المادة السابعة إلى موضوع التعذيب فتنص(لا يجوز اخضاع أي فرد للتعذيب أو لعقوبة أو معاملة قاسية أو غير انسانية أو مهينة وعلى وجه الخصوص فانه لا يجوز اخضاع أي فرد دون رضائه الحر للتجارب الطبية أو العملية)  وكرست المادة التاسعة الحق في الحرية والسلامة الشخصية لكل فرد ولم تجز (القبض على احد أو ايقافه بشكل تعسفي كما لا يجوز حرمان احد من حريته على اساس  القانون وطبقاً للاجراءات المقررة فيه)  ونصت المادة المذكورة على آلية التعاطي مع المقبوض عليه اذ اوجبت في فقرتها الثانية ابلاغه الاسباب (عند حدوثه كما يجب ابلاغه فوراً باية تهمة توجه اليه) وتضمنا الفقرة الثالثة التي هي بمنتهى الوضوح بانه (يجب تقديم المقبوض عليه أو الموقوف بتهمة جزائية فوراً امام القاضي أو أي موظف آخر مخول قانونياً بممارسة صلاحيات قضائية ويكون من حق المقبوض عليه أو الموقوف ان يقدم إلى المحاكمة خلال زمن معقول أو ان يفرج عنه )  ونصت الفقرة الرابعة على حق(كل من يحرم من حريته نتيجة القاء القبض أو الايقاف مباشرة الاجراءات امام المحكمة لكي تقرر دون ابطاء بشأن قانونية ايقافه والامر بالافراج عنه اذا كان الايقاف غير قانوني) وحفظ الفقرة الخامسة الحق بالتعويض لمن القي القبض عليه بشكل غير قانوني .  مع ضرورة التذكير بالفقرة الاولى من المادة العاشرة التي نصت على معاملة (جميع الاشخاص المحرومين من حرياتهم معاملة انسانية مع احترام الكرامة المتأصلة ) .

 

5- اتفاقية مناهضة التعذيب والحقوق الانسانية المحفوظة :

(ان استمرار ممارسة التعذيب على افراد من البشر يمثل بدون شك شراً من اخبث الشرور في هذا العصر الذي يفترض انه العصر الحديث .  ولذلك تعتبر هذه الاتفاقية معلماً بالغ الاهمية على طريق الجهود المتواصلة التي تبذلها الامم المتحدة لتشجيع وضمان المزيد من الاحترام لحقوق الانسان .  وهكذا حظر المجتمع العالمي مرة والى الابد ممارسة التعذيب البغيض)  هذا ما استهل به خافيير باريز ديكويار امين عام الامم المتحدة الاسبق مقدمة الاتفاقية المذكورة التي صدرت عن الجمعية العامة للامم المتحدة بتوافق الاراء في 10 كانون الاول 1984 .  لكن هذا الـ (حظر)  لم يبلغ مسامع اسرائيل ،  واذا كان قد بلغ مسامع الدولة المتسلطة المتجبرة على العالم امريكا ،  فان لهذه الدولة التي تستظل بظلها الدولة العبرية ،  معاييرها ومقاييسها في تطبيق احكام الاتفاقية المذكورة على من تشاء وفق مصالحها واهوائها ،  وتبقى الدولة العبرية في حل من احكام هذه الاتفاقية .

تلزم الاتفاقية الدول الاطراف بمنع التعذيب داخل حدود ولايتها القضائية وبجعل التعذيب جريمة مستوجبة للعقاب .  وتسقط الاتفاقية كافة المبررات والذرائع لتبرير التعذيب بما في ذلك ظروف الحرب أو الطوارئ أو اوامر السلطات . 

نصت المعاهدة على تسليم مرتكبي  التعذيب .  وفي حال عدم التسليم ،  تقاضى الدولة التي يوجد بها مرتكبي التعذيب .  وهذا الامر يعتبر تننفيذاً لمفهوم (الولاية الجنائية العالمية) الاستثنائي .  كما نصت على ان تتضمن القوانين الداخلية للاطراف حق الضحايا في التعويض واعادة التأهيل .  واهم ما استحدث في هذا الشأن لتنفيذ الاتفاقية انشاء لجنة لمناهضة التعذيب مشكلة من خبراء في ميدان حقوق الانسان ،  كما انشأت الجمعية العامة في عام 1981 صندوق الامم المتحدة للتبرعات لضحايا التعذيب .  ويتبين من المادة الاولى ان الاتفاقية قد حددت القصد بالتعذيب هو (أي عمل ينتج عنه الم أو عذاب شديد ،  جسدياً كان ام عقلياً ،  يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص ،  أو من شخص ثالث على معلومات او على اعتراف ، أو معاقبته على عمل ارتكبه...).

وفرضت المادة الثانية على كل دولة طرف اخذ (اجراءات تشريعية أو ادارية أو قضائية فعالة ... لمنع اعمال التعذيب)  واعتبار هذا العمل (جرائم بموجب قانونها الجنائي)  وعلى هذا الطرف مقاضاته بموجب المادة السابعة ،  اينما وجد ،  وفقاً للولاية القضائية الشاملة  .