لبنان امام تحد لالغاء عقوبة الاعدام

                                               

اعداد

المحامي نعمة جمعة

رئيس الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان

 

لبنان امام تحد لالغاء عقوبة الاعدام

 

تمهـيــد

 

تشهد حركة المجتمع المدني في لبنان ، منذ سنوات عدة ، نشاطاً ملحوظاً لالغاء عقوبة الاعدام في التشريعات الجزائيه . وبعد ان حققت انجازاً بالغاء القانون رقم 302 /94 ، الذي كان يقضي بعقوبة الاعدام في الجرائم القصديه والسياسية ، وجرد القضاء من صلاحياته التقديرية ، وذلك بموجب القانون رقم 338 تاريخ 2/8/2001 ، تركزت الجهود على عملية الاصلاح الجنائي من خلال تحديث قانون العقوبات ، بوضع قانون جديد ينسجم مع المعاير الجنائيه الدوليه ، كما تركز الجهد على التخلص من تنفيذ عقوبة الاعدام في لبنان ، والمطالبة بالغائها من كافة التشريعات الجزائيه .وقد تجلى هذا الجهد بوضع اقتراح قانون بالغاء العقوبه المذكورة وقدم الى المجلس النيابي بتاريخ 30/6/2004 ، وهو موقع من النواب نائله معوض ونبيل دي فريج ومروان فارس و مصباح الاحدب وباسم السبع وهنري حلو وصلاح حنين ، حيث نام المشروع المذكور في ادراج مجلس النواب . وبسبب تغاضي المجلس عن النظر في القانون المذكور ، اعدت هيئات المجتمع المدني مشروع اقتراح قانون جديد لالغاء عقوبة الاعدام اينما وردت في القوانين اللبنانية ، واستبدالها بالاشغال الشاقه المؤبده او الاعتقال المؤبد ، مع امكانية الاستفادة من المادة 4 من قانون تنفيذ العقوبات رقم 463 /2002 ، تم التوقيع عليه من النواب : ميشال موسى – مروان فارس- غسان مخيبر- ابراهيم كنعان – اكرم شهيب- صلاح حنين – عبدالله فرحات... وتاخر البت بالمشروع الجديد بسبب تعطيل جلسات مجلس النواب السابق . ونشير في هذا السياق الى ان الخطه الوطنيه لحقوق الانسان التي تعدها اللجنه النيابيه لحقوق الانسان بالتعاون مع الامم المتحده تلحظ مسالة الغاء عقوبة الاعدام من التشريعات اللبنانية . ويذكر ان وزير العدل اللبناني الدكتور ابراهيم نجار قد تقدم بدوره بمشروع قانون لالغاء العقوبة المذكورة

واعتقاداً منا ان لبنان يستحق انظمة جزائيه تنسجم مع التوجهات العصريه للعدالة ، وتاخذ في الاعتبار مبدأ انسنة العقوبه .

ونظراً لان هذا الموضوع قد استحوذ على قسم وافر من دراساتنا وابحاثنا ، وهي منشوره بكاملها على ويب سايت الجمعية www.aldhom.org ، وفي المؤلفات الصادره عن كل من المنظمة العربية للاصلاح الجنائي ،

 

 

ومركز عمان لدراسات حقوق الانسان 2007 ، نشعر بانه لا جدوى من اعادة تكرار ، ما اوردناه في دراساتنا المذكوره ، والتي نحيل عليها .

ونقصر بحثنا هذا بالمستجدات التي طرات بعد اعداد تلك الدراسات

1-    التوجهات الدولية لالغاء عقوبة الاعدام :

 

مع ان لبنان وقع على الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهدين الدوليين،  واعلن في مقدمة دستوره التزامه بالاعلان العالمي والمواثيق الدوليه ، الا انه ابقى على تشريع عقوبة الاعدام المطالب بالغائها 

ونورد على سبيل التعداد لا الحصر المواثيق والقرارات ذات الصله بموضوع الغاء عقوبة الاعدام :

 

 

1- البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص:

  من ابرز الاتفاقيات الدولية، البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية الصادر في 15/12/1989، والذي اعتمدته الجمعية العامة للامم المتحدة بموجب القرار رقم 44/122. وقد صدقت عليه 54 دولة وانضمت اليه اكثر من 10 دول بتاريخ لاحق، باستثناء بعض الدول العربية، ومما يؤسف له لبنان.

          يحظّر البروتوكول المذكور انزال عقوبة الاعدام، ويسمح بالخروج على هذا المبدأ في وقت الحرب بالنسبة الى الجرائم البالغة الخطورة وذات الطبيعة العسكرية التي ترتكب في زمن الحرب. ويشترط البروتوكول على الدول التي تمارس هذا الاستثناء، ان تكون قد تحفظت على ذلك عند الانضمام اليه وليس لاحقاً.

 

2- القرارات والتوصيات الدولية:

وضعت الجمعية العامة للامم المتحدة ووكالتها المتخصصة في الاعتبار السير باتجاه الغاء عقوبة الاعدام. وقد صدرت قرارات وتوصيات دولية تحرّم صراحة المساس بالحق في الحياة، مهما كانت طبيعة الجرم الذي ارتكبه المجرم. نذكر منها على سبيل التعداد لا الحصر:

-       القرار رقم 7857/26 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 20/12/1971.

-   القراران الصادران عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي للامم المتحدة، الاول في 09/05/1979 والثاني في 20/05/1981.

-       القراران الصادران عن لجنة حقوق الانسان الدولية، رقم 8/1998 و 61/1999.

-   الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وقد اعتمدتها الجمعية العامة للامم المتحدة بالاجماع في 20/11/1989، ونصت في المادة 37 على حظر تنفيذ عقوبة الاعدام.

ونشير هنا الى ان اتفاقية روما لعام 1998، المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، قد خلى نظامها من النص على عقوبة الاعدام. علماً ان لبنان لم ينظم للمحكمة المذكورة

- قرارات المؤتمر العالمي الثالث لمناهضة عقوبة الاعدام، والذي انعقد في باريس، خلال شهر شباط 2007، ومطالبة الدول بالغاء عقوبة الاعدام الواردة في تشريعاتها.

- التوصية الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها 62، المنعقدة خلال كانون الاول 2007، بمطالبة الدول التي ابقت في تشريعاتها على عقوبة الاعدام، والتوقف عن تطبيقها. واعتبرت هذه التوصية انتصاراً لمناهضي عقوبة الاعدام.

- التوصيه الجديدة الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحده عام 2008 ، بهذا الخصوص ، ومطالبة الاتحاد الاوروبي من لبنان ، ممثلا بالسفير اندريه بارون وعدد من السفراء الاوروبيين ، بتاييد التوصيه الجديده لدى الاقتراع عليها من قبل الجمعيه العامه ، مع تاكيد الاتحاد على ضرورة الغاء لبنان لعقوبة الاعدام انسجاماً مع الشراكة الاوروبية

 

 

3- الاتفاقيات الاقليمية والتوصيات:

بموازات المواثيق والاتفاقيات الدولية المتخذة مسار الغاء عقوبة الاعدام، اعتمدت عدد من المنظمات الاقليمية بروتوكولات ومواثيق تأخذ هذا المنحى نذكر منها:

-   البروتوكول الملحق بالاتفاقية الاميريكية لحقوق الانسان والقاضي بالغاء عقوبة الاعدام. وتم التصديق عليه من 9 دول.

-       قرار المجلس الاوروبي رقم 727 في 22/04/1980.

-       توصية البرلمان الاوروبي رقم 891 بتاريخ 18/06/1981

-   البروتوكول رقم 6 الملحق بالاتفاقية الاوروبية لحماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية. وقد صدقت عليه 46 دولة اوروبية.

-   البروتوكول رقم 13 الملحق بالاتفاقية الاوروبية وقد تم التصديق عليه من 30 دولة اوروبية ووقعته 13 دولة اخرى.

-   اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الاعدام الذي نظمه الاتحاد الاوروبي بتاريخ 10/10/2007 ، ودعا فيه لالغاء هذه العقوبه .

-   الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي اعتمدته القمة العربية السادسة عشرة المعقودة في تونس بتاريخ 23/05/2004. وقد تأخر اقراره لمدة فاقت 23 عاماً من اعداد مشروع الاعلان الاول، وذلك بسبب تحفظ عدد من الدول العربية على الغاء عقوبة الاعدام بذريعة ان الصهيونية تشكل عائقاً لاعمال حقوق الانسان. ومع ذلك يستثني الميثاق من حظر الاعدام الجرائم الخطيرة، وأبقي على تطبيقه في الجرائم السياسية المقترنة بجناية القتل او الشروع فيها.

هذا ومن المعروف ان اكثر من نصف بلدان العالم قد الغى عقوبة الاعدام في القوانين او الممارسة. غير ان الارقام التي تشير الي تنفيذ عقوبة الاعدام حول العالم ما زالت مرتفعه . فخلال عام 2007 اعدم لا اقل من 1252 شخصا في 24 بلداً ، كما حكم على لا اقل من 3347 شخصاً اخرين بالاعدام في اكثر من خمسين بلداً . وقد تم تنفيذ 88 % من احكام الاعدام في خمسة بلدان هي الولايات المتحده – المملكه العربيه السعوديه- ايران- باكستان و الصين بالاضافة الى العراق .

ومع ان بعض الجرائم مشينه وعنيفه ، لكن تجربة الاتحاد الاوروبي والدول التي الغت عقوبة الاعدام، اضهرت ان الحل ليس في عقوبة الاعدام ، لانها تشجع ثقافة العنف والانتقام بدل من تعزيز العداله والتهدئه ، ولا يشكل الاعدام رادعاً للجرائم اكثر فعالية من عقوبات اخرى . وتبين ان الغاءها في اكثر من خمسين بلداً منذ عام 1985 لم يؤد الى ارتفاع نسبة الجرائم ، كما يتبين ان التصويت على قرار الجمعيه العامه لعام 2007 ايدته 104 بلدان وعارضه 54 بلداً وامتنع عن التصويت 28 دوله من بينهم بكل اسف لبنان. ويشهد العالم راهناً الغاء تدريجياً لعقوبة الاعدام ، وقد الغيت هذه العقوبة مؤخراً من قبل كل من البانيا ورواندا وازبكستان والارجنتين وولاية نيو جرسي الامريكية .

ومن الجدير ذكره انه تم تشكيل تحالف عربي لالغاء عقوبة الاعدام في مختلف البلدان العربيه ، وقد جاءت المبادره من ( مركز عمان لحقوق الانسان ) وتم تشكيل مجلس اداره لهذا التحالف الذي يضم من بين اعضائه المؤسسين الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان .

ونأمل ان يسير لبنان في هذا الاتجاه وينضم الى قافلة البلدان اللاغيه لعقوبة الاعدام .

 

2-    مدى تنفيذ عقوبة الاعدام في لبنان وموقف القضاء

 

أ‌-      الاحكام الصادرة بالاعدام منذ الاستقلال:

 تمادت السلطات اللبنانية في تنفيذ عقوبة الاعدام، وذلك عبر مختلف المراحل الرئاسية، باستثناء فترة حكم الرئيسين شارل حلو والياس سركيس، اذ خلت من تنفيذ هذه العقوبة. وما يقتضي ابرازه هو موقف رئيس الوزراء الدكتور سليم الحص بتمنعه في شهر آذار عام 2000 عن توقيع مراسيم اعدام مما ادى لتجميد هذه العقوبة طوال فترة بقائه في السلطة.

يتبين من الوثائق الرسميه ان عدد الذين اعدموا طوال الحقبة المذكورة 52  شخصاً. ويمكن تسجيل الملاحظات التالية:

-   لقد ضرب عهد بشارة الخوري الرقم القياسي في تنفيذ احكام الاعدام، حيث اعدم 20 شخصاً في عهده. وتبدو صورة اعدام الزعيم انطون سعادة مع رفاقه بمثابة صورة سوداء في تاريخ المحاكمات، ان لجهة سرعة اجرائها وتنفيذها، ام لجهة كون الجريمة لها الطابع السياسي.

-   ويأتي عهد الرئيس الياس الهراوي في المرتبة التالية اذ تم تنفيذ حكم الاعدام بـ 14 شخصاً، انطلاقاً من قناعة السلطة بمعالجة القضايا الاجتماعية بنظرة امنية، وبالتأكيد لم تؤدي غايتها المرجوة.

-   يسجل لعهد فؤاد شهاب ان المحاكم اللبنانية اصدرت احكاماً بالاعدام بحق مئة شخص بجريمة محاولة الانقلاب العسكري على السلطة اللبنانية عشية نهاية عام 1961، ولم ينفذ اي حكم بحق من شارك في المحاولة الانقلابية.

-   تفاوتت المحاكم التي تنظر في الجرائم الجنائية بين المجلس العدلي ومحاكم الجنايات، والمحكمة العسكرية الدائمة. علماً بان احكام المجلس العدلي هي مبرمة ومخالفة لمعايير المحاكمة العادلة. وينطبق هذا الامر على احكام المحاكم العسكريه

   - اما من صدرت بحقهم احكام اعدام من قبل محاكم الجنايات، فان بعضها قد عرض على محكمة التمييز الجزائية. وبخصوص المحكمة العسكرية الدائمة فان تشكيلة واجراءات المحاكمة لديها موضع اعتراض من قبل الهيئات الحقوقية، بالرغم من ان احكامها قابلة للتمييز لدى محكمة التمييز العسكرية.

-   ان قوانين العفو التي كانت تصدرها السلطات اللبنانية من حين لاخر، هي بدورها موضع اعتراض من قبل الهيئات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، خاصة قانون العفو رقم 84 تاريخ 26/08/1991، الذي عفا عن مجرميّ الحرب اللبنانية الذين ارتكبوا مجازر بحق الشعب اللبناني.

-   ان الدوافع لحصول الجرائم التي تم تنفيذ الاعدام بسببها هي اما سياسية (ثورة القوميين سنة 1949- محاولة انقلابهم على السلطة سنة 1961) او بسبب خلافات مناطقية (مقتل النائب والوزير ابراهيم عبود) او (اغتيال الشيخ نزار الحلبي) او (التعامل مع اسرائيل).

واما بدوافع فقر (سرقة، ارث، فدية مالية، خلاف لشراكة....).

واما بسبب علاقات عاطفية، او اخذ بالثأر بحكم العادات العشائرية.....

ب- موقف القضاء اللبناني من عقوبة الاعدام

- حركة المطالبة بالغاء عقوبة الاعدام:

 تفاوتت المراحل التي تعاطى فيها لبنان مع النص على عقوبة الاعدام، بين حصرها بما ورد في قانون عام 1943، او توسيع نطاق تطبيقها، كلما مر هذا البلد بظروف امنية.

في اعقاب احداث 1958، صدر القانون المعروف بقانون (ريمون اده) الذي حمل عنوان (كل قاتل يقتل) وذلك بتاريخ 11/01/1958، وقضى بعدم منح الجاني الاسباب التخفيفية التي قد يستحقها. وقد الغي هذا القانون في 18/05/1965.

بتاريخ 21/03/1994، اصدر المشرع اللبناني القانون رقم 302/94 الذي اخذ بروحية قانون 1958، وقضى بتطبيق عقوبة الاعدام في الجرائم القصدية (م.547-548) والجرائم السياسيه (م. 198)، وجرد القضاء من سلطته التقديرية بمنح الاسباب التخفيفية.

 

 شكل تطبيق هذا القانون صفحة سوداء في تاريخ السلطة اللبنانية، اذ ضربت الرقم القياسي في تطبيق عقوبة الاعدام في هذه المرحلة..... كان بدء التنفيذ باعدام بسام المصلح في 23/04/1994، والمجنديين السوريين عبد الكريم جيج ومحمد سليمان زعتر في 30/04/1994، ومن ثم اعدام شاكر البريدي في 28/09/1994 والدركي حسام علي ناصر في 12/01/1995 واحمد عبد البديع حلاق 19/09/1996 انس شامل ذبيان في  17/10/1996، ومحمد محمود كور في 18/03/1997، وكل من خالد محمد حامد ومنير صلاح عبود ومنذر الكسم في 25/03/1997، والمصري حسن جمال عطية في 02/04/1997، وكل من  وسام نايف عيسى النبهان وحسن ندى ابو جبل في 1998.

اثار التوسع بتنفيذ عقوبة الاعدام حفيظة المجتمع اللبناني، واعتراضات المجتمع الدولي، خاصة بعد ان نقلت وسائل الاعلام المرئية مشاهد لعملية التنفيذ، ولجوء العديد من الاطفال لتقليدها بحق اخوة او زملاء لهم في العديد من المناطق اللبنانية.

ادركت الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان خطورة ما يتم تنفيذه من اعدامات، واثرها على الرأي العام، باعتبار ذلك يشكل انتهاكاً لحق الحياة، وتداعت مع مجموعة من هيئات المجتمع المدني في بداية عام 1997 لتعلن تحالف الهيئات والقوى المدنية المطالبة بالغاء عقوبة الاعدام.

ان هذا التحرك قد اسهم بتوفير مناخات المطالبة بالغاء عقوبة الاعدام، وبرزت الى العلن مواقف وزراء ونواب ومسؤولين روحيين وقضاة ومحامين يؤيدون هذا الطلب. ووصل الامر بالقاضي جوزيف غمرون رئيس محكمة جبل لبنان، لان يعلن موقفه صراحة من على منبر نقابة المحامين، كما سجل العديد من القضاة مخالفاتهم لاحكام اعدام في متن القرار الصادر، يذكر منهم القاضيين: عبد الرحيم حمود ورستم عواد.

واعربت اللجنة الدولية لحقوق الانسان في قرار لها صادر بتاريخ 12/04/1997 عن قلقها بشأن زيادة تطبيق احكام الاعدام في لبنان، وطالبت بوقف تنفيذ هذه العقوبة والغائها. كما اصدرت منظمة العفو الدولية بدورها مجموعة من البيانات والمواقف المنددة بتنفيذ هذه العقوبة. اما على الصعيد الاوروبي فقد برز موقف لافت بشكل خاص للحكومة الفرنسية باستدعائها السفير اللبناني واعلان احتجاجها على استمرار لبنان بهذا النهج....

   فكان للجهود المبذولة في هذا المجال دوراً مميزاً ادى لالغاء القانون رقم 302/94 وذلك بموجب القانون رقم 332 الصادر بتاريخ 02/08/2001، الذي الغى احكام القانون السابق واعاد العمل باحكام مواد قانون العقوبات التي كانت نافذة قبل التعديل. ان الغاء هذا القانون شكل مكسباً لهيئات المجتمع المدني، خاصة لجهة الغاء عقوبة الاعدام بالجرائم السياسية (م. 198) والجرائم القصدية (م. 547 و548) واعاد للقضاء سلطته التقديرية وحقه بتخفيف الاحكام القضائية. واعتبرت هذه الهيئات الغاء القانون المذكور رافعة للمطالبة بالغاء عقوبة الاعدام من كافة النصوص التشريعية. وجاء موقف رئيس الوزراء اللبناني الاسبق الدكتور سليم الحص برفض توقيع مراسيم اعدامات جديدة في شهر آذار عام 2000 حافزاً اخر للاصرار على مطلب الغاء العقوبة من التشريعات.

غير ان السلطة اللبنانية عادت مجدداً لتنفيذ هذه العقوبة، بعد مرور اكثر من 5 سنوات على وقف تنفيذها. اذ انزلت هذه العقوبة بحق كل من احمد منصور وبديع حمادة وريمي زعتر بتاريخ 19/01/2004. لقي تصرف السلطة  مجدداً اوسع الاعتراضات محلياً ودولياً.

وتنبهت جمعيتنا الى ان لجنة الادارة والعدل النيابية تدرس مشروع قانون جديد للعقوبات، أُبقي فيه على النصوص القاضية بتطبيق عقوبة الاعدام، ومخالفة المشروع في العديد من تبويباته لقضايا حقوق الانسان. فشكلت تحالفاً تحت اسم (منتدى الكرامة الانسانية) ضم ايضاً التجمع النسائي الديمقراطي، ومؤسسة حريات خاصة، ومنظمة العفو الدولية (المجموعات اللبنانية). توج المنتدى عمله  بتنظيم ورشة عمل بتاريخ 16-17 /05/2003، شارك فيها مجموعة من الباحثين، اظهرت عيوب المشروع المطروح، وطالبت بادخال تعديلات عليه من شأنها ان تراعي الجانب الاصلاحي في وضع قانون جديد للعقوبات، يأخذ في الاعتبار المعايير الدولية. وقد صدرت اعمال المنتدى في كتاب تحت اسم (الكرامة الانسانية في قانون العقوبات). وتوقفت لجنة الادارة والعدل بعد ذلك عن النظر بالمشروع.

هذه الاجواء التي سادت المجتمع اللبناني، وتحركات هيئات ومنظمات المجتمع المدني توجت بمشروع قانون لالغاء عقوبة الاعدام واستبدالها بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة. وقد تضمن المشروع في مادته الاولى (يلغى البند الاول من المادة 37 من قانون العقوبات ويستبدل بالنص الاتي:

 

" الاشغال الشاقة المؤبدة غير القابلة او الخاضعة لاي تخفيض او سبب تخفيفي" المادة الثانية تستبدل عقوبة الاعدام اينما ورد النص عليها بالعقوبة المنصوص عليها في البند الاول المعدل من المادة 37 من قانون العقوبات) وقد وقع على هذا المشروع كل من النواب: نائلة معوض، نبيل دو فريج، د. مروان فارس، د. صلاح حنين، مصباح الاحدب، باسم السبع وهنري حلو. وتم تقديمه لمجلس النواب بتاريخ 30/06/2004. غير انه نام في ادراج المجلس المذكور.

تفعيلاً لتحرك الحملة الوطنية لالغاء عقوبة الاعدام تقرر تشكيل هيئة تنسيق ضمت بالاضافة للجمعية اللبنانية لحقوق الانسان كل من الهيئات التالية:  حقوق الناس(الهيئة الوطنية للحقوق المدنية)، عدل ورحمة، عدل، المجموعات اللبنانية لمنظمة العفو الدولية، مفوضية العدل (الحزب التقدمي الاشتراكي).

واخر ما توصلت اليه جهودنا توقيع مشروع قانون جديد من قبل النواب تضمن:

- مشروع اقتراح قانون بالغاء عقوبة الاعدام اينما وردت في القوانين اللبنانية، واستبدالها بالاشغال الشاقة المؤبدة او الاعتقال المؤبد، مع امكانية الاستفادة من المادة 4 من قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002 تم التوقيع عليه من النواب: ميشال موسى، مروان فارس، غسان مخيبر، براهيم كنعان، اكرم شهيب، صلاح حنين، عبدالله فرحات.... والمشروع الجديد معلق بانتظار حلّ عقدة اجتماعات المجلس النيابي الراهنة.

محكمة التمييز اللبنانية لا تطبق النصوص القانونية القاضية بعقوبة الاعدام:

 رغم ان القضاء اللبناني لا يشكل سلطة مستقلة، بموجب النص الدستوري، واقتصر ذكره على مادة وحيدة وردت في الفصل الاول المتعلق بالـ(احكام عامة) من الباب الثاني من الدستور، الحامل لعنوان (السلطات). وجل ما ورد عن السلطة القضائية، نص المادة 20 من الدستور التي نصت (السلطة القضائية، تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصها ضمن نظام، ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة. اما شروط الضمانة القضائية وحدودها، فيعينها القانون. والقضاة مستقلون في اجراء وظيفتهم. وتصدر القرارات والاحكام من قبل المحاكم وتنفذ باسم الشعب اللبناني).

   ان عدم وجود نصوص دستورية، تنص صراحة على استقلال هذه السلطة، بموازاة السلطتين الاخريين التشريعية والاجرائية، هو انتقاص من استقلالية السلطة القضائية، الخاضعة لتشريعات تنظم اوضاعها بموجب قوانين عادية، وتخضعها بشكل او بآخر للسلطة الاجرائية، التي تتحكم بها عبر وزارة العدل، خاصة في هيكلية الجسم القضائي وحركته. وهذا الوضع يحد من نطاق الاستقلالية الممنوحة للقضاة، بموجب الدستور. ويستدل على ذلك ما يعانيه المرفق القضائي راهناً من حالة الشلل التي تنتابه ، مما اصاب تعطيل مجلس القضاء الاعلى ، وحال دون اجراء تشكيلات قضائيه منذ عام 2002 ، وعدم الاستفاده من امكانيات اكثر من 100 قاض تخرجوا من معهد القضاء في السنوات الماضيه ، بدون ان يلحقوا بالجسم القضائي ، وادخال هذا المرفق من قبل السلطه التنفيذيه في لعبة التجاذب الطائفي والمذهبي ، باعتماد انتماء القاضي على حساب كفاءته ونزاهته  

غير ان ذلك لم يمنع قضاة من التحصّن، باستقلاليتهم، مما اتاح لهم اصدار قرارات قضائية جريئة، تمتاز بالنزاهة والشفافية، اخذين بعين الاعتبار، المواثيق والمعايير الدولية، ومستندين اليها من منطلق رؤية سليمة لفهم الاصلاح الجنائي، ومسايرة الركب العالمي الآخذ في هذا الاتجاه.

ما يعنينا بشأن انزال عقوبة الاعدام، بالمتهم في معرض تطبيق النصوص القانونية، واصدار الاحكام، ان قضاة مشهود لهم بحكمتهم وعدالتهم، قد استشرفوا الاتجاه العام اللبناني والدولي، المطالب بالغاء عقوبة الاعدام، وساروا مع هذا التوجه السليم في معرض اصدار احكامهم، ممارسين الصلاحية المعطاة لهم بحق التقدير، بحكم القانون.

فقد اصدرت الغرفة الاولى لمحكمة التمييز اللبنانية، برئاسة القاضي المنتدب، الدكتور سامي عبد الله، العديد من الاحكام التي استبدلت فيها عقوبة الاعدام بالاشغال الشاقة الموقتة، ناقضة ما قضت به محاكم الجنايات. ربما آخر هذه القرارات القضائية، الحكم الصادر بتاريخ 16/11/2007، بحق المتهم عباس رضا، بجرم خطف محمد سليمان وقتله بالسلاح الابيض بتاريخ 26/10/2001، بجرم سطو وسلب المغدور في بلدة مشغرة – البقاع الغربي، والقاضي بنقض حكم محكمة جنايات البقاع، واستبدال عقوبة الاعدام بالاشغال الشاقة الموقتة، مدة 15 سنة.

وقد سارت الغرف الاخرى، لدى محكمة التمييز الجزائية، بذات الاتجاه، حيث قضت احداها بنقض الحكم الصادر بحق رأفت سليمان، بالاعدام واستبداله بالاشغال الشاقة الموقتة.

وفي عام 2008 اصدرت محكمة التميز الجزائيه برئاسة القاضي سمير عاليه حكميين قضائيين : الاول فسخ حكم محكمة الجنايات القاضي بعقوبة الاعدام بحق فريزه عبدالله حسن واستبدالها بالاشغال الشاقه المؤبده عن جريمة قتل حصلت للمغدورين هاني الهاشم وجنيفياف الخوري في مجدل العاقوره والثانيه فسخ حكم محكمة الجنايات القاضي بعقوبة الاعدام لخالد البرازي واستتبدالها بالاشغال الشاقه المؤقته لمدة 7 سنوات لاقدامه على قتل المغدور سمعان مطر في محلة الدورة .

وتتبع محكمة التميز الجزائيه هذا النهج ، خلافاً لاحكام الاعدام التي تصدرها محاكم الجنايات ، كان اخرها الحكم الصادر عن محكمة جنايات بيروت بتاريخ 25/10/2008 ، قضى بانزال عقوبة الاعدام لكل من غسان  نظير قندقلي وفادي محروس صلاح عن جريمة قتل الموظفه في الكفاح العربي بتاريخ 5/5/2003

ان القضاء اللبناني باتخاذه هذا الموقف في احكامه، خاصة محكمة التميز الجزائيه، يؤشّر الى مدى انسجام القضاء اللبناني مع توجهات المناهضين لعقوبة الاعدام في المجتمع اللبناني، ويؤشّر في الان ذاته الى صوابية الرهان على السلطة القضائية بحمايتها لحقوق الانسان وكرامته.

 

خلاصة:

ان النظم القانونية بمختلف تنوعات تشريعاتها، لها غاية سامية محددة تتمثل بتطوير نمط حياة الانسان في العمران البشري، والارتقاء بالمستوى الحضاري، والهدف الاساسي من ذلك حماية حقوق الانسان، غير القابلة للتجزئة من خلال القانون.

 انطلاقاً من ثوابت المبادئ العامة وغاياتها، يقتضي انسنة التشريعات وابعادها عن المعايير الانتقامية من زجر وعنف، بشرعنة النهج العقابي، لصياغتها بما يلائم منطق التسامح والاصلاح، الذي يفرض على المجتمع معاملة الولد العاق بمستوى الابن المريض، لتصويب سلوكه باعادة تأهيله من خلال الرهان على حسن طويته، المستمدة من عناصر ذاتيته الخيرة والاصيلة، والمولودة معه بالفطرة منذ لحظة تفتح عينيه على الحياة. هذه الذاتية افسدتها عوامل خارجية مكتسبة ناتجة عن المحيط الاجتماعي، وظروف الحياة الصعبة للبعض، الذين تضعف مناعتهم اتجاه مفاسدها وموبقاتها، وتدفع باتجاه ارتكاب الجريمة.

ان معالجة القضايا الجرمية لا يمكن ان يجري بمنأى عن معالجة اسبابها وظروف ارتكابها. لتكون التشريعات آخذة منحاها الاصلاحي خدمة للمجتمع وللانسان، ولتكون القوانين في المحصلة النهائية هادفة لحماية حقوق الانسان، وعلى رأسها الحق في الحياة، باعتباره هبة من الله تعالى، لا يجوز لاي فرد او سلطة التحكم به او تقرير مصيره، تحت عنوان الاقتصاص من المجرم وانزال عقوبة الاعدام به.

لقد آن الاوان لان تلغى هذه العقوبة من النصوص التشريعية في لبنان، بمقدار ما يحتم الغاؤها اعادة النظر بالنظام القانوني الجزائي من كافة جوانبه. وذلك بوضع قانون جديد للعقوبات، والغاء المحاكم الخاصة والاستثنائية، والحاق السجون بوزارة العدل، وتطبيق قانون تنفيذ العقوبات، واعادة النظر بقانون اصول المحاكمات الجزائية..... واتخاذ الخطوات الآيلة الى الحرص على استقلالية السلطة القضائية.

نعتقد ان لبنان يستحق انظمة جزائية تنسجم مع التوجهات العصرية للعدالة، وتأخذ في الاعتبار مبدأ انسنة العقوبة.

 

 

 

لبنان 19/12/2008                                 رئيس الجمعية

                                                              المحامي

                                                            نعمة جمعة

 

 

 

 

 

ASSOCIATION LIBANAISE DES DROITS DE L’HOMME

Recipes 191/A.D

aldhom_lb@hotmail.com       

 

buy nancy drew series on internet. problems with nancy drew curse weblog. anything about nancy drew danger on deception island.
amazing mahjong game portal. do you search for mahjong free games. information about mahjong download free best.