|
حالة حقوق الانسان في لبنان
تقرير الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان
عن حالة حقوق الانسان في لبنان
عام 2006
تمهيد
يأتي هذا التقرير، ليعبر عن استئناف الجمعية اللبنانية لحقوق
الانسان، اصدار تقاريرها الدورية السنوية، بعد ان توقفت عن ذلك منذ تقرير عام 1998،
وكانت تكتفي باصدار تقريرها الاداري السنوي الذي يسلّط الضوء على حالة حقوق الانسان
في لبنان، ونشاط الجمعية خلال الفترة الزمنية التي يشملها التقرير، يضاف لذلك
بياناتها الصحفية ومواقفها من مجمل القضايا والمحطات المرتبطة بحقوق الانسان.
وكم كنا نتمنى ان يتناول هذا التقرير حالة حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، علماً بان جمعيتنا متابعة ومعنية بهذا الشأن، من خلال لجان عمل مشكلة من
كوادرها وناشطيها، بحكم كون الجمعية غير متخصصة، وتطلعاتنا بان تكون تقاريرنا
القادمة اكثر رصداً ومعالجة لهذا الجانب لكون هذه الحقوق جزء لا يتجزأ، من مفهوم
الاصلاح الشامل الذي تصبو اليه منظمتنا، وتجهد منذ تأسيسها عام 1985، لتحقيق هذا
الهدف النبيل.
يغطي هذا التقرير تطور الاحداث الرئيسية في لبنان خلال عام 2006، ويمتد زمنياً نحو
المؤشرات الاقدم والوقائع الاحدث لارتباطها ببعضها البعض في السياق التاريخي العام.
ويأتي هذا التقرير في وقت عصيب يمر به لبنان، اذ ان مشهده الداخلي غير المستقر بفعل
الاحداث المتعاقبة والمتتالية على ارضه في السنوات الاخيرة، وتداخلها مع ما تشهده
المنطقة العربية والاقليمية من مخاض، تتشابك بدورها مع الواقع الداخلي اللبناني،
وتتزامن مع تدخلات دولية في شؤونها في الجانب الاخر، مع ما لهذا التدخل من
اعتراضات، على قرارات دولية يتخذها مجلس الامن الدولي، والذي يعاني من اختلال في
المعادلة الدولية، بحكم الهيمنة الامريكية وتفردها بشؤون العالم، مما ينعكس سلباً
على مفعول هذه القرارات والموقف منها، لكونها تعكس غالباً الرؤية الاحادية المميزة
لمصلحة فريق، في وقت يسود فيه منطق ازدواجية المعايير. هذا الوضع يجعل المنطقة
بكاملها مفتوحة على مختلف الاحتمالات، خاصة السلبية منها، ويجعل من لبنان وبنيه
ساحة تجاذب لتبادل الرسائل، اذا لم نقل لحسم الصراعات ولو على حسابه، ليغدو وكأنه
بؤرة متفجرة، قابلة للاشتعال في اي لحظة، تهدد امنه وسلامه، وينعكس ذلك على امن
وسلام المنطقة بكاملها، اذا لم نقل العالم اجمع، بحكم واقعه الراهن "المدوّل" بشكل
عسكري وامنيّ وقضائي....
وياتي هذا التقرير كذلك، في فترة تراجع مسار حقوق الانسان، بفعل تداعيات الحرب على
الارهاب، واذكاء مقولة صراع الحضارات، وتفشي ظاهرة انتشار الاصولية، واستشراء حالة
النزاعات العرقية والطائفية، ما ادى لتغليب الاعتبارات الامنية على الالتزام
بمواثيق حقوق الانسان دولياً، فتتسبب هذه الصراعات بمختلف اشكال التدخل الدولية
منها، المشرّعة من قبل مجلس الامن، او الحاصلة بارادة منفردة تحت ذريعة تصدير
الديمقراطية، ومكافحة بؤر الارهاب. هذه التدخلات ادت الى ردات فعل عكسية، اسهمت
باعاقة مسيرة الاصلاح للخروج من شرنقة التخلف، وألهبت صراعات اثنية وطائفية
ومذهبية، لم يكن لبنان بمنأى عنها بحكم تركيبته الطائفية المعروفة، وما شهده من
انقسام سياسي حاد، شغل وما زال حقبة السنة الماضية بكاملها، وشكل امتداداً للصراع
الذي استشرى في اعقاب التمديد لرئيس الجمهورية صيف 2004، وتزامن ذلك مع صدور قرار
مجلس الامن الدولي رقم 1559، وما تلى هذا الواقع من احداث مريرة شهدتها الساحة
اللبنانية.... هذا من دون ان يفوتنا التذكير بحرب تموز العدوانية، التي شتنها
اسرائيل عليه، وآثارها المدمرة على بنيته الاقتصادية والاجتماعية، بحيث فاقم
العدوان من ازماته السياسية.
واذا كان التقرير لم يتحدث عن ايجابيات شهدتها اوضاع حقوق الانسان في لبنان، فذلك
مرده الى حالة الشلل التي انتابت المؤسسات الدستورية فيه، بفعل الانقسام الحاصل،
وتتالي احداثه الامنية وارتداداتها على اوضاعه.
واننا نأمل ان يكون هذا التقرير، المبني على رصد مسيرة حقوق الانسان في لبنان، قد
عكس صورة الواقع اللبناني بمصداقية وامانة، وكلنا رجاء ان يخرج هذا الوطن العزيز
معافى من محنته، ليبقى مشعلاً مضيئاً لدروب الحرية في محيطه، وحاملاً لنهج بنيه
المخلصين الذي يتوقون لمناخات الامن والسلام للعيش بكرامتهم الانسانية.
نظرة خلفية عامة
لمضمون التقرير وافقه
تستأنف الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان، اصدار تقريرها السنوي عن حالة حقوق
الانسان في لبنان خلال فترة عام 2006، انطلاقاً من منهجيتها التي اعتادت عليها في
العمل، برصد ابرز الاحداث والظواهر والاشكاليات، التي عاقت وتعوق تعزيز مسيرة حقوق
الانسان في لبنان، خاصة تلك الناجمة عن حالة الانقسام الداخلي الحاد، وانعكاسه على
كافة مؤسسات الدولة والمجتمع، وكذلك استمرار الحرب العدوانية الاسرائيلية عليه،
فضلاً عن استمرار مطالبة ابنائه باجراء خطوات اصلاحية، بمعايير مستوحاة من مفاهيم
حقوق الانسان والنصوص التشريعية، والنقد الموجه لمحاولات التطبيق غير الجادة من قبل
الطبقة السياسية.
يرصد هذا التقرير حالة حقوق الانسان في لبنان من خلال متابعة ومعايشة اوضاعه
الصعبة، ليشمل التقرير التطورات على الصعيد القانوني، وحالة الحقوق الاساسية،
والحريات العامة، وبمدى رعاية هذه الحقوق، بوجهيها السلبي والايجابي، بغرض توضيح
ابعادها، استناداً لما توفر للجمعية من وقائع عايشتها، وبهدف ايضاح مكامن الخلل
وتأثيراتها.
يرصد القسم الاول من التقرير مسيرة انضمام لبنان الى الاتفاقيات الدولية لحقوق
الانسان، ومدى المواءمة ما بين القوانين اللبنانية والالتزامات المقررة في تلك
الاتفاقيات الدولية، ويلحظ التقرير عدم توقيع لبنان على اتفاقية روما لعام (1998)
رغم كونه ضحية الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة عليه، كما يلحظ عدم ازالة تحفظات
لبنان على الاتفاقيات المتعلقة بعدم التميز ضد المرأة.
ويعرض التقرير في قسمه الثاني للتطورات المتعلقة باحترام الحقوق الاساسية، ومدى
استجابة لبنان لتعزيز ثقافة حقوق الانسان، وتعزيز ثقافة العاملين لديه، بتعاونهم مع
مكاتب الامم المتحدة، والخطوة الايجابية التي اقدمت عليها الحكومة مؤخراً بالسماح
للجنة الدولية للصليب الاحمر بزيارة السجون العسكرية وتفقد اوضاع المحتجزين فيها.
ويلحظ التقرير تفاقم معدلات انتهاك الحقوق الاساسية على نحو خطير، نتيجة للجرائم
المستمرة الناجمة عن الاعتداءات اسرائيل على لبنان، خاصة في حرب تموز الاخيرة، وما
نجم عنها من انتهاكات خطيرة وجرائم حرب ارتكبتها الدولة المعتدية بحقه. واستمرار
الصراعات الداخلية، وما تسببت به من سقوط ضحايا، وتواصل مسلسل الاغتيالات
الارهابية، التي استدعت مزيداً من القرارات الدولية.
ويسجل التقرير، بشكل ملحوظ، ما تسببت به اسرائيل في عدوانها الاخير على لبنان، الذي
استمر لمدة 33 يوما، وما رافقه من دمار لبنى تحتية ومرافق عامة ومؤسسات اقتصادية
وممتلكات خاصة، وتهجير شامل امتد ليطال مناطق واسعة من لبنان. هذه الحرب ادت الى
مقتل 1200 مواطن غالبيتهم العظمى من النساء والاطفال، والى التسبب بجرح 5000 مواطن
وما نجم عن ذلك من اعاقات.
بالاضافة لتواصل انتهاك الحق بالحياة بالتسبب بمقتل مواطنين ابرياء، او التسبب بجرح
بعضهم جراء الخلاف السياسي الحاصل في لبنان. فضلاً عن استمرار مسلسل الارهاب الذي
كان آخر ضحاياه النائب بيار الجميل في 21/11/2006، ومن ثّم جريمة عين علق التي
استهدفت مدنيين في 13/02/2007.
ويلحظ التقرير استمرار انتهاك الحق في الحرية والامان الشخصي، بمعدلات ملحوظة
بتوقيف من يشتبه بهم انهم اصوليون اسلامييون، او ينتمون الى قوى معارضة للحكومة
الحالية، خاصة المنتمين الى الحرب القومي السوري، تحت عنوان مصادرة اسلحة بحوزتهم،
وتوقيفهم لفترات طويلة تمهيداً لاحالتهم الى القضاء العسكري ذا الطبيعة
الاستثنائية، بدلاً من احالتهم لمقاضاتهم امام القضاء الطبيعي.
ويلحظ التقرير استمرار حالة التردي في السجون رغم بعض التحسين الجزئي، الذي ادخل
عليها، ومراكز احتجاز الاجانب لدى الامن العام، حيث يعاني المحتجزون من سؤء
المعاملة وعقوبات غير قانونية.
ويتطرق التقرير الى حرية الاعلام والاعلاميين، ليتناول اشكالية المحاصصة والاقتسام
في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة، والحصرية التي يعتمدها القانون لعدد المطبوعات
السياسية، والاشكاليات النقابية للعاملين في حقل الاعلام وظاهرة الاعتداء على
الصحافيين المعلومة منها، من قبل هذا الطرف السياسي او ذاك، او تعرضهم للارهاب على
غرار ما جرى باغتيال المفكر الاعلامي سمير قصير والاعلامية مي شدياق، والاستهداف
الحاصل من قبل قوات العدو الاسرائيلي في حرب تموز لعدد من العاملين في هذا الحقل.
واذ يسجل التقرير الخطوة الايجابية للدولة بالغاء التشريعات القاضية بحبس
الصحافيين، والاكتفاء بالغرامة النقدية من قبل محكمة المطبوعات، وينوه برفع الرقابة
الذاتية عن العمل الاعلامي، بحيث باتت حرية العمل في الحقل الاعلامي تشكل ظاهرة
فلتان، تسببت باغراق السياسيين لمحكمة المطبوعات بدعاويهم المقامة....
ويتناول التقرير في قسمه الثالث اوضاع الحريات العامة، ليسجل اتساع هامش حرية ابداء
الرأي والتعبير والاجتماع والتنظيم. اذ ان الحكومة كما هو معروف الغت منذ عام 2000
قرار منع التظاهر. وفي صيف عام 2006 اصدرت قراراً بالرجوع عن الترخيص المسبق
للاحزاب السياسية من قبل مجلس الوزراء، معتبرة هذا الامر يخضع لقانون الجمعيات
الصادر عام 1909، الذي يبيح حرية تأسيس الجمعيات بما فيها الاحزاب. غير ان وزارة
الداخلية بقيت تتبع نهجاً مخالفاً لنص قانون 1909، وتتعاطى مع اي طلب تأسيس على انه
طلب ترخيص، الى ان صدر تعميم وزير الداخلية برقم تاريخ ، فاخضع تأسيس
الجمعيات لقانون 1909 وحدد آليات تطبيقه، بقبول الاعلان عن التأسيس وفق رغبة
المؤسسين، وتزويدهم بما اصطلح على تسميته بالعلم والخبر، من دون اخضاع الطلب
لاجراءات امنية.
ويلحظ التقرير في قسم الفئات الخاصة، اوضاع المرأة في لبنان، ويسجل في هذا المجال
السياسة الايجابية التي تنتهجها الدولة بموضوع قضايا المرأة. اذ انها ساوت بينها
وبين الرجل في الوظائف العامة والمصالح الاقتصادية، مما اتاح لها ان تشغل مواقع في
القضاء اللبناني، وكذلك في مجالات مختلف المهن الحرة. الا ان الاشكالية تبقى في
الذهنية الذكورية العامة في مجال الممارسة والتعاطي، او في الجانب المتعلق بقضايا
الاحوال الشخصية، او تلك النصوص الواردة في قانون العقوبات لجهة جرم الزنى، او حقها
بمنح جنسيتها لاولادها.
ويندرج في هذا السياق الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين، بحيث
يحرمون منها، خاصة الحق بالعمل والحق بالتملك. وكذلك الحقوق المحفوظة للاجانب الذين
يلجؤون الى لبنان. وحقوق العمالة الاجنبية.
رغم كل هذه العثرات والعوائق، يتميز المجتمع اللبناني بحيويته، وبطاقات ابنائه
الخلاقة، وتوقهم نحو آفاق التقدم. وان مسيرة الاصلاح والتغيير تتوفر لها ارضية خصبة
ناجمة عن مساحة الحرية، التي ينعم بها هذا البلد، وبالامكان سبر غورها، اذا قدر
لابنائه تطوير نظامه السياسي باتجاهات ديمقراطية مبنية على معايير المساواة
والكفاءة، بديلاً عن الاعتبارات الطائفية والمذهبية والعلاقات الزبائنية المفسدة
للحياة العامة.
القسم الاول
التطورات على الصعيد القانوني:
الانضمام الى المواثيق الدولية
التطورات الدستورية
التطورات القانونية
1-
الانضمام الى
المواثيق الدولية لحقوق الانسان:
توج لبنان دستوره بمقدمة صادرة بتاريخ 21/09/1990، تضمنت فقرة منه (لبنان عربي
الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما
هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق
الانسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء).
وهو بذلك من اوائل الدول التي وقعت على ميثاق الامم المتحدة لعام 1945 وصادقت عليه.
كما يتباهى ايضاً بانه احد واضعي الاعلان العالمي لحقوق الانسان ممثلاً بالدكتور
شارل مالك.
وقد صادق لبنان حتى تاريخه على الاتفاقيات الدولية التالية:
1-
الاعلان العالمي لحقوق الانسان صادر 10/12/1948
2-
الاتفاقية الدولية لالغاء كافة اشكال التمييز العنصري 24/06/1971
3-
العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية صدق 01/09/1972
4-
العهد الدولي الخاص للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية صدق
01/09/1972
5-
الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة
24/07/1976
6-
الاتفاقية الدولية لتحريم الابادة الجماعية
7-
الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب 24/05/2001
8-
الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل 05/01/2006
9-
اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الملحقين لعام 1977 صدقا في
28/02/1997.
واقدم لبنان لدى اصداره قانون اصول المحاكمات المدنية عام 1983، قد رفع من مرتبة
المعاهدات الدولية، واعطى لاحكامها اولوية التطبيق عند تعارضها مع القانون العادي،
وذلك بموجب المادة الثانية من القانون المذكور.
تحفظ لبنان على مواد متعلقة بالمساواة بين الجنسين في العهديين الدوليين، وبمواثيق
اخرى، لاعتبارات لها علاقة بقضايا الاحوال الشخصية. كما لم يوقع على البروتوكولات
الاختيارية الملحقة بهما.
لم
يصادق بشكل خاص على نظام المحكمة الجنائية الدولية، مع ان مواطنيه هم ضحايا
الانتهاكات والجرائم الاسرائيلية. كما لم يصادق على العديد من الاتفاقيات الدولية،
من بينها الاتفاقية المتعلقة بقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليه، والاتفاقية
الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، وكذلك الاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية
لحماية حقوق العمال والمهاجرين الاجانب.
ان
جمعيتنا تولي مسألة انضمام لبنان الى مختلف المواثيق الدولية الاهمية القصوى. وهي
تنشط بالتعاون والتحالف مع جمعيات وهيئات المجتمع المدني، لتنظيم حملات مشتركة
لدعوة لبنان بشكل خاص:
-
اسقاط كافة التحفظات على العهدين الدوليين والانضمام للبروتوكولات
الاختيارية، لجعل المساواة تأخذ شكلها الفعلي والعملي بين الرجل والمرأة، وتحول دون
الانتقاص من حقوق المرأة.
-
دعوة لبنان للانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية بالتصديق على
اتفاقية روما لعام 1998، وتأدية دوره على صعيد هذه المؤسسة القضائية الدولية
الناشئة، ليس فقط لتحصيل حقوقه، وانما لمنع افلات مرتكبي الجرائم ضد الانسانية
وجرائم الحرب من العقاب، والمساهمة في عملية تصويب ميزان العدالة الانسانية.
2-
التطورات الدستورية:
تنص المادة 49 من الدستور على ان مدة ولاية رئيس الجمهورية ست سنوات، مع عدم جواز
انتخابه الا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته.
وقد تكون هذه المادة من اكثر مواد الدستور، عرضة للتعديل، وبشكل يكاد يصاحب مختلف
العهود الرئاسية في لبنان منذ تاريخ الاستقلال.
وآخر تعديل جرى بتصويت المجلس النيابي على مشروع القانون الدستوري القاضي بانه
(لمرة واحدة وبصورة استثنائية، تستمر ولاية رئيس الجمهورية الحالي ثلاث سنوات تنتهي
في الثالث والعشرين من تشرين الثاني 2007). وصدر هذا القانون الدستوري بتاريخ
04/09/2004.
ومن المعروف ان تعديل المادة المذكورة بغاية تجديد او تمديد ولاية رئيس الجمهورية،
كان يتسبب باحداث تهز الكيان اللبناني. اذ ان التعديل الاول الذي جرى لمصلحة الرئيس
بشارة الخوري بتاريخ 21/01/1947، قد ادى الى حصول ثورة بيضاء ضده اضطرته للاستقالة
عام 1951. ومحاولات تجديد الولاية للرئيس كميل شمعون ادت لاحداث 1958. اما الرئيس
فؤاد شهاب، بالرغم من انه كان يتمتع بكتلة برلمانية كفيلة لايصاله مجدداً الى سدة
الرئاسة، غير انه رفض ذلك تجنباً لحصول فتنة في لبنان. والتعديل الوحيد الذي مر
بهدوء في ظل الوجود السوري في لبنان، قد جرى لمصلحة الرئيس الياس الهراوي بتمديد
ولايته لمدة ثلاث سنوات بموجب التعديل الصادر بتاريخ 13/10/1998.
كان لاجراء التعديل عام 2004 الاثر البالغ على واقع النظام السياسي في لبنان. اذ
دخل في نفق التجاذبات الداخلية والخارجية، وما رافقها من حالة انقسام حاد لقواه
السياسية، دون ان تتوصل هذه القوى، حتى تاريخه بايجاد الحلول لازمته الخانقة. ولنا
عودة لاحقة لهذا الشأن في فقرة تالية.
المجلس الدستوري
بموجب التعديلات الدستورية الصادرة بتاريخ 21/09/1990، تنفيذاً لوثيقة الوفاق
الوطني(اتفاق الطائف) جرى تعديل المادة 19 من الدستور، وقضت بان (ينشأ مجلس دستوري
لمراقبة دستورية القوانيين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات
الرئاسية والنيابية....)، وقد حددت المادة المذكورة الاطراف الصالحة لمراجعة المجلس
المذكور، كما نصت على ان (تحدد قواعد تنظيم المجلس واصول العمل فيه وكيفية تشكيله
ومراجعته بموجب قانون).
اصدر المشرع اللبناني بتاريخ 14 تموز 1993 قانون انشاء المجلس الدستوري رقم
250/93 وادخل لاحقاً تعديلات على القانون المذكور..... كما اصدر النظام الداخلي
للمجلس بموجب القانون رقم 516 تاريخ 06/06/1996 الذي الحقت به تعديلات بدوره.
نصت المادة الثانية من قانون انشاء المجلس الدستوري على تأليفه من عشرة اعضاء، يعين
نصفهم مجلس النواب، والنصف الاخر يتولى مجلس الوزراء عملية التعين. وحددت المادة
الرابعة ولاية اعضاء المجلس بـ (ست سنوات غير قابلة للتجديد ولا يجوز اختصار ولاية
اي منهم)، اما المادة 23 فقد نصت على ان (يتولى المجلس الدستوري الفصل في صحة
انتخابات رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والبت في الطعون الناشئة عنها) وعلى
ان يتخذ القرار في كلتا الحالتين (باكثرية سبعة اعضاء على الاقل في الدورة الاولى
وفي حال تعذر هذه الاكثرية يكتفى بالاكثرية المطلقة من اعضاء المجلس. كما اولت
المادة 24 للمجلس صلاحية (الفصل في صحة نيابة نائب منتخب والنظر في نزاعات والطعون
الناشئة عن انتخابات اعضاء مجلس النواب).
ثم
عادت المادة 3 من النظام الداخلي للمجلس بالتأكيد على ان (مدة ولاية اعضاء المجلس
ست سنوات غير قابلة للتجديد ولا للاختصار، يبدأ احتساب هذه المدة من تاريخ اداء قسم
اليمين من قبل الاعضاء المعينين).
ولحظت المادة 4 من النظام الداخلي مسألة انتهاء مدة ولاية اي من الاعضاء، ونصت على
ان (يستمر الاعضاء الذين انتهت ولايتهم في ممارسة اعمالهم الى حين تعيين بدلاء عنهم
وحلفهم اليمين).
ويرى المتتبعون لوضع المجلس الدستوري بانه قد خضع لعملية التجاذب السياسي بين اطراف
السلطة للتحكم بقراراته. فقد انتهت مدة الولاية لخمسة من اعضاءه بتاريخ 08/08/2005
بينهم الرئيس امين نصار بالاضافة للرؤساء سليم جريصاتي، حسين حمدان، فوزي ابو مراد،
ومصطفى العوجي. وقد ابدى هؤلاء بالتاريخ المذكور رغبتهم بالتوقف عن القيام بمهماتهم
وترك عملهم وعدم مشاركتهم لاحقاً في اي من اعمال المجلس. وابلغوا ذلك الى السلطات
المختصة، اي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء.
وكان قد سبق هذا الموقف ان انتخب مجلس النواب السابق ثلاثة اعضاء للمجلس الدستوري،
من بينهم (القاضي نصري لحود) شقيق رئيس الجمهورية، وعلى ان تختار السلطة التنفيذية
ممثلة بمجلس الوزراء العضويين الاخريين بديلاً عن المنتهية ولايتهما.
لم
يحلف الاعضاء المنتخبون اليمين القانونية، كما ان السلطة التنفيذية لم تختر العضوين
الاخرين. لا بل يتبين بأن السلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب الجديد المنتخب في
ربيع عام 2005، قد اقدمت على اصدار القانون رقم 679/2005 القاضي برفع يد المجلس
الدستوري عن النظر في المراجعات المقدمة اليه، بما في ذلك الطعون الانتخابية، الى
حين استكمال تعيينه. وقد اقدم المجلس الدستوري على ابطال هذا القانون لعدم دستوريته
بتاريخ 08/08/2005، واعلن الاعضاء الخمسة المذكورين بعد صدور هذا القرار عن موقفهم
بالتوقف عن متابعة العمل، وذلك افساحاً منهم في المجال للسلطات المختصة وحضها على
استكمال تعيين البدلاء، ورفضاً منهم من جهة اخرى الاستمرارية وفقاً لمبدأ استمرارية
السلطات والمرافق العامة المكرس في المادة الرابعة من النظام الداخلي للمجلس.
بتاريخ 12/06/2006 ادخل مجلس النواب تعديلات جديدة على قانون المجلس الدستوري،
وفسرت المادة الثانية من التعديل بانها احيت ولاية جميع اعضاء المجلس، واجازت
للاعضاء المنتهية ولايتهم استئناف مهامهم.
ادخل هذا التعديل المجلس الدستوري في سجال مع ذاته وبين اعضاءه، بقسميه المنتهية
ولايتهم، والمذكورين اعلاه، والمتبقين منه وهم الروؤساء: غبريال سرياني، عفيف
المقدم، مصطفى منصور، اميل بجاني وسامي يونس.
استناداً لهذا التعديل وجه رئيس المجلس امين نصار دعوة لعقد اجتماع لاعضاءه، ولقي
الرد من الاعضاء غير المنتهية ولايتهم باعلان ما يأتي:
(1- لم يعد للرئيس السابق الصفة لتوجيه الدعوة بعد انقطاعه تماماً عن اي عمل في
المجلس منذ احدى عشرة شهراً، وبعدما فقد ليس صفة العضوية فحسب بل ايضاً صفة
الرئاسة.
2-
يبدو واضحاً، وخلافاً لاقواله، ان المادة الثانية من قانون تعديل قانون انشاء
المجلس الدستوري الصادر حديثاً لا تحيي عضويته ورئاسته باعتبار ان المادة الثانية
من القانون المشار اليه اجازت اختصار مدة ولاية الاعضاء الحاليين خلافاً لاحكام
المادة الرابعة من قانون انشاء المجلس الدستوري رقم 250/93 التي تنص على ان مدة
الولاية هي ست سنوات غير قابلة للتجديد ولا للاختصار، وبالتالي اجاز النص المذكور
اختصار هذه المدة، وليس احياء ولاية الاعضاء المنتهية ولايتهم.
3-
لا يعتقد الاعضاء غير المنتهية ولايتهم انه يجوز اقحام مبدأ فصل السلطات في الموضوع
لان التوجه الذي قد يحصل من اي من السلطتين التشريعية المنوطة بمجلس النواب
والتنفيذية المنوطة بمجلس الوزراء بنداء "لا دعوة للاجتماع" انما هو لاعطاء الصدقية
الديمقراطية لذلك الالتآم، وخصوصاً ان هذا النداء لم يكن ليقيد موقفهم باي اتجاه
قانوني مسبق حسب ما هو قرارهم الصريح في هذا الصدد).
وبذلك تكون قد طويت صفحة اهم مرجعية دستورية، بالتسبب بتعطيلها، مما يدفعنا للتساؤل
عن دور هذا المجلس الذي تقرر احياؤه على نحو مخالف للقانون، وعن مدى عدالة القرارات
التي يمكن ان تصدر عنه، عندما يصبح مجلساً مسيساً، حسب رأي بعض المراجع القانونية،
كما من حقنا ان نتساءل عن مبرر تعطيل هذا المجلس ولتحقيق اغراض سياسية حسب رأي
البعض الاخر.
ان
تعطيل المجلس الدستوري، وعدم اعطائه صلاحية تفسير القوانين، خلافاً لاتفاق الطائف،
وغياب اي مرجعية دستورية من شأنها بت مسألة تنازع الصلاحيات بين مؤسسات رئاسة
الجمهورية والسلطة التنفيذية من جانب، ومؤسسة مجلس النواب من الجانب الاخر، هذا
الوضع اسهم ويسهم في |