حالة حقوق الانسان في لبنان

تقرير الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان

عن حالة حقوق الانسان في لبنان

عام 2007

اعداد المحامي نعمة جمعة

 

 

 

تمهيد

يأتي هذا التقرير، ليعبر عن استئناف الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان، اصدار تقاريرها الدورية السنوية، سيما بعد ان سبق لها واصدرت تقريرها لعام 2006، وتناول مختلف جوانب اوضاع حقوق الانسان في لبنان. هذه الاوضاع التي ازدادت تردياً، حتى وصلت الامور، وبكل اسف، الى حد المأزق المهدد لمصير ومستقبل هذا البلد، بعد ان تعطلت فيه المؤسسات الدستورية، بفعل الانقسام الحاد الحاصل داخل الطبقة السياسية، والمتخذ في جوانب بارزة منه الطابع الطائفي والمذهبي.

يغطي التقرير الفترة الزمنية  الممتدة من بداية عام 2007 حتى شهر نيسان الحالي لعام 2008، دون ان يتطرق لجوانب مهمة وردت في تقرير عام 2006، لنحيل عليها، تجنباً للتكرار. ويكاد يقتصر على تطور الاحداث الرئيسية التي يمر بها، لارتباطها ببعضها البعض في السياق التاريخي العام. 

ويأتي هذا التقرير في وقت عصيب يمر به لبنان، اذ ان مشهده الداخلي غير المستقر بفعل الاحداث المتعاقبة والمتتالية على ارضه في السنوات الاخيرة، وتداخلها مع ما تشهده المنطقة العربية والاقليمية من مخاض، تتشابك بدورها مع الواقع الداخلي اللبناني، وتتزامن مع تدخلات دولية في شؤونه، في الجانب الاخر، مع ما لهذا التدخل من اعتراضات، على قرارات دولية يتخذها مجلس الامن الدولي، والذي يعاني من اختلال في المعادلة الدولية، بحكم الهيمنة الامريكية وتفردها بشؤون العالم، مما ينعكس سلباً على مفعول هذه القرارات والموقف منها، لكونها تعكس غالباً الرؤية الاحادية المميزة لمصلحة فريق، في وقت يسود فيه منطق ازدواجية المعايير. هذا الوضع يجعل المنطقة بكاملها مفتوحة على مختلف الاحتمالات، خاصة السلبية منها، ويجعل من لبنان وبنيه ساحة تجاذب لتبادل الرسائل، اذا لم نقل لحسم الصراعات ولو على حسابه، ليغدو وكأنه بؤرة متفجرة، قابلة للاشتعال في اي لحظة، تهدد امنه وسلامه، وينعكس ذلك على امن وسلام المنطقة بكاملها، اذا لم نقل العالم اجمع، بحكم واقعه الراهن "المدوّل" بشكل عسكري وامنيّ وقضائي....

ويأتي هذا التقرير كذلك، في فترة تراجع مسار حقوق الانسان، بفعل تداعيات الحرب على الارهاب، واذكاء مقولة صراع الحضارات، وتفشي ظاهرة انتشار الاصولية، واستشراء حالة النزاعات العرقية والطائفية، ما ادى لتغليب الاعتبارات الامنية على الالتزام بمواثيق حقوق الانسان دولياً، فتتسبب هذه الصراعات بمختلف اشكال التدخل الدولية منها، المشرّعة من قبل مجلس الامن، او الحاصلة بارادة منفردة تحت ذريعة تصدير الديمقراطية، ومكافحة بؤر الارهاب. هذه التدخلات ادت الى ردات فعل عكسية، اسهمت باعاقة مسيرة الاصلاح للخروج من شرنقة التخلف، وألهبت صراعات اثنية وطائفية ومذهبية، لم يكن لبنان بمنأى عنها بحكم تركيبته الطائفية المعروفة، وما شهده من انقسام سياسي حاد، شغل وما زال حقبة السنوات الماضية بكاملها، وشكل امتداداً للصراع الذي استشرى في اعقاب التمديد لرئيس الجمهورية صيف 2004، وتزامن ذلك مع صدور قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559، وما تلى هذا الواقع من احداث مريرة شهدتها الساحة اللبنانية.... هذا  من دون ان يفوتنا التذكير بحرب تموز العدوانية، التي شنتها اسرائيل عليه، وآثارها المدمرة على بنيته الاقتصادية والاجتماعية، بحيث فاقم العدوان من ازماته السياسية.

واذا كان التقرير لم يتحدث عن ايجابيات شهدتها اوضاع حقوق الانسان في لبنان، فذلك مرده الى حالة الشلل التي انتابت المؤسسات الدستورية فيه، بفعل الانقسام الحاصل، وتتالي احداثه الامنية وارتداداتها على اوضاعه.

واننا نأمل ان يكون هذا التقرير، المبني على رصد مسيرة حقوق الانسان في لبنان، قد عكس صورة الواقع اللبناني بمصداقية وامانة، وكلنا رجاء ان يخرج هذا الوطن العزيز معافى من محنته، ليبقى مشعلاً مضيئاً لدروب الحرية في محيطه، وحاملاً لنهج بنيه المخلصين الذين يتوقون لمناخات الامن والسلام للعيش بكرامتهم الانسانية.

نظرة خلفية عامة

   لمضمون التقرير وأفقه

تستأنف الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان، اصدار تقريرها السنوي عن حالة حقوق الانسان في لبنان خلال فترة عام 2007، انطلاقاً من منهجيتها التي اعتادت عليها في العمل، برصد ابرز الاحداث والظواهر والاشكاليات، التي عاقت وتعوق تعزيز مسيرة حقوق الانسان في لبنان، خاصة تلك الناجمة عن حالة الانقسام الداخلي الحاد، وانعكاسه على كافة مؤسسات الدولة والمجتمع، وكذلك استمرار الاعتداءات الاسرائيلية عليه، وتفشي بؤر الارهاب فيه، مما تسبب بحرب مخيم البارد الدموية، فضلاً عن استمرار مطالبة ابنائه باجراء خطوات اصلاحية، بمعايير مستوحاة من مفاهيم حقوق الانسان والنصوص التشريعية، والنقد الموجه لمحاولات التطبيق غير الجادة من قبل الطبقة السياسية.

يرصد هذا التقرير حالة حقوق الانسان في لبنان من خلال متابعة ومعايشة اوضاعه الصعبة، من دون ان يشمل التطورات على الصعيد القانوني، اذ ان لبنان لم يصدر فيه اي تشريع جديد، نتيجة عدم انعقاد مجلس النواب، لاي جلسة من جلساته، منذ خريف عام 2006، يضاف الى ذلك خلوّ سدة رئاسة الجمهورية منذ تاريخ 24/11/2007، وتصدي مجلس الامن الدولي لاقرار نظام المحكمة الخاصة بلبنان، لمحاكمة قتلة الرئيس الحريري ورفاقه، ومرتكبي الجرائم الارهابية المترافقة معها.

ويعرض التقرير في قسم منه التطورات المتعلقة باحترام الحقوق الاساسية، ومدى استجابة لبنان لتعزيز ثقافة حقوق الانسان، وتعزيز ثقافة العاملين لديه، بتعاونهم مع مكاتب الامم المتحدة، والخطوة الايجابية التي اقدمت عليها الحكومة مؤخراً بالسماح للجنة الدولية للصليب الاحمر بزيارة السجون العسكرية وتفقد اوضاع المحتجزين فيها.

ويلحظ التقرير تفاقم معدلات انتهاك الحقوق الاساسية على نحو خطير، نتيجة للجرائم المستمرة الناجمة عن تواصل مسلسل الاغتيالات والعمليات الارهابية، التي استدعت مزيداً من القرارات الدولية، واستمرار الصراعات الداخلية، وما تسببت به من سقوط ضحايا.

بالاضافة لتواصل انتهاك الحق بالحياة بالتسبب بمقتل مواطنين ابرياء، او التسبب بجرح بعضهم جراء الخلاف السياسي الحاصل في لبنان. فضلاً عن استمرار مسلسل الارهاب الذي كان آخر ضحاياه النائب وليد عيدو في 13/06/2007، والنائب انطوان غانم في 19/09/2007، واللواء فرنسوا الحاج بتاريخ 12/12/2007، والنقيب وسام عيد بتاريخ 25/01/2008.

ويلحظ التقرير استمرار انتهاك الحق في الحرية والامان الشخصي، بمعدلات ملحوظة بتوقيف من يشتبه بهم انهم اصوليون اسلامييون، او ينتمون الى قوى معارضة للحكومة الحالية، تحت عنوان مصادرة اسلحة بحوزتهم، وتوقيفهم لفترات طويلة تمهيداً لاحالتهم الى القضاء العسكري ذا الطبيعة الاستثنائية، بدلاً من احالتهم لمقاضاتهم امام القضاء الطبيعي.

ويلحظ التقرير استمرار حالة التردي في السجون رغم بعض التحسين الجزئي، الذي ادخل عليها، ومراكز احتجاز الاجانب لدى الامن العام، حيث يعاني المحتجزون من سوء المعاملة وعقوبات غير قانونية.

ويندرج في هذا السياق  الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين، بحيث يحرمون منها، خاصة الحق بالعمل والحق بالتملك. وكذلك الحقوق المحفوظة للاجانب الذين يلجؤون الى لبنان. وحقوق العمالة الاجنبية.

رغم كل هذه العثرات والعوائق، يتميز المجتمع اللبناني بحيويته، وبطاقات ابنائه الخلاقة، وتوقهم نحو آفاق التقدم. وان مسيرة الاصلاح والتغيير تتوفر لها ارضية خصبة ناجمة عن مساحة الحرية، التي ينعم بها هذا البلد، وبالامكان سبر غورها، اذا قدر لابنائه تطوير نظامه السياسي باتجاهات ديمقراطية مبنية على معايير المساواة والكفاءة، بديلاً عن الاعتبارات الطائفية والمذهبية والعلاقات الزبائنية المفسدة للحياة العامة.

 الاشكالية الدستورية في لبنان

اجتمع النواب اللبنانيون في باحة مجلس النواب في 25/09/2007، بناء لدعوة السيد نبيه بري، ولم تعقد جلسة انتخاب الرئيس العتيد، رغم ان هذا التاريخ هو بدء المهلة الدستورية لاختياره. وارجئ الموعد لعقد جلسة في 23/10/2007، بعد مداخلات خارجية، عربية ودولية، سبقت تاريخ الدعوة الاولى، واتفق فيها على حضور النواب للمجلس، بدون عقد جلسة، على امل حصول توافق على مرشج يقبل به فريقا النزاع في لبنان. وكان من اللافت مشاركة 68 نائباً من تجمع قوى الاكثرية، من بينهم من له اعتراض على نصاب انعقاد الجلسة، بالاضافة لمشاركة اربع نواب من كتلة الرئيس بري وعدد محدود من قوى المعارضة تمثل كتلة

 

التنمية والتحرير، وثلاث نواب من تجمع الانقاذ والتغيير (كتلة العماد عون)، ومن المعلوم ان عدد اعضاء المجلس الحالي 127 نائباً بعد ان استشهد النائب انطوان غانم.

      برر البعض مشاركتهم في الاجتماع بأنه تلبية لطلب البطريرك صفير الذي وجد في عدم المشاركة في جلسات المجلس (مقاطعة للوطن)، وبهدف ادخال تنويع سياسي على تجمع نواب الاكثرية.

      ومن المعروف ان مسألة انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان هي واحدة من المسائل الشائكة  والمعقدة التي تتوقف على عتبتها الجهود الداخلية لتحول دون تذليلها، عدا التدخلات الاقليمية والدولية، وجملة القرارات الصادرة عن مجلس الامن ابتداء من القرار 1559 الصادر في اوائل آب 2004، عشية التمديد للرئيس اميل لحود، وترافق ذلك مع مسألة السياق العام للتداعيات المأساوية اللبنانية في السنوات الثلاث الاخيرة، التي تمثلت بمسلسل التفجيرات والاغتيالات لقادة سياسيين ومفكرين واعلاميين، من بينهم اربع اعضاء نواب، وبالانقسام الحاد بين الافرقاء السياسيين الذي واكب هذه الحالة وسواها، وكاد في اكثر من محطة ان يتسبب بحصول فتنة داخلية. هذا دون ان يفوتنا التذكير بما تعرض له هذا البلد، خلال ذات الفترة من احداث لا تقل جسامة عن مثيلاتها، مثل حرب تموز العدوانية على لبنان، وبعد جلسات الحوار والتشاور بين اللبنانيين، والاعتصام الذي ابتدأ في 01/12/2006 من قبل المعارضة وما زال مفتوحاً في ساحتي رياض الصلح والشهداء، وما سبقه من استقالة ستة وزراء في 11/11/2006 بينهم الوزراء الخمس الشيعة، لم يصدر قرار قبول استقالتهم، ناهيك عن الجدل الدستوري الذي بلغ في احيان كثيرة حدود التجاوز، وخرج عن موضوعيته، وبات تفسير الدستور يخضع لحسابات سياسية من قبل هذا الفريق او ذاك....، مما دفع غسان التويني ان يصف الجدل الحاصل بـ(عصفورية دستورية)، وكان قد سبق للرئيس حسين الحسيني، وهو (اب الطائف)، بتقييمه انه (جدل عقيم).

هذه الاوضاع المعقدة والملتبسة، جعلت جملة مواقع المؤسسات الدستورية موضع خلاف وجدل بين طرفي الاغلبية (قوى 14 آذار) والمعارضة ممثلة برموزها الفاعلة (حزب الله - حركة امل - تكتل التغيير والاصلاح)، وبشكل طالت فيه موقع رئاسة الجمهورية، موقع مجلس النواب ورئاسته بشكل خاص، وجميعها معرضة للطعن بشرعيتها بعناوين ومعايير مختلفة ناجمة عن مجمل المأزق العام، وعن التأويلات والتفسيرات المتناقضة للنصوص الدستورية، وفي ظل تعطيل المؤسسة الدستورية التي يكون من صلاحياتها اعطاء الجواب  للنقاط الخلافية.

ولعل ادلّ ما يظهر عمق المأزق وتفسيراته بعموميته، التفسيرات التي اعطيت لاجتماع النواب في 25/09/2007. فقد بقي رئيس المجلس في مكتبة بانتظار اكتمال ثلثي اعضاء المجلس لترأس الجلسة، ليعلن تالياً امينة العام التأجيل بدون المناداة على النواب الحاضرين وتعدادهم، او تنظيم محضر بعقد جلسة، واعلن مساء الناطق الاعلامي للمجلس ان الجلسة لم تعقد بسبب عدم اكتمال النصاب، بحيث وصف هذا التصريح بانه مخالف لما هو متفق عليه، فأعلن نائب رئيس المجلس الاستاذ فريد مكاري، ان الجلسة قد عقدت، وتعتبر الاولى والمقدمة للجلسة اللاحقة التي يرى بامكانية التئامها بنصف اعضاء مجلس النواب زائداً واحداً، بدلاً من الثلثين، ووفق تفسيره للدستور. وايّده في ذلك كل من الاساتذة النائب وليد جنبلاط (رئيس التكتل الديمقراطي) وسمير جعجع (رئيس حزب القوات اللبنانية) وعدد آخر من نواب قوى الاكثرية.

بقيت اشكالية انتخاب رئيس للجمهورية معضلة لبنانية، حيث انتهت مدة ولاية الرئيس لحود في 24/11/2007، ومواعيد جلسات الانتخاب تتوالى، لتؤّجل لموعد لاحق، حيث شارف لبنان على التأجيل العاشر لموعد حدد في 22/04/2008. وهذه الاشكالية تجعلنا نقول انها تواصلت نتيجة الانقسام الحاد في الطبقة السياسية، ومترست كل فريق عند مطالبه، بحيث اذا قارب الحل عقدة من العقد، يستولد عقد جديدة. هذا الوضع غيّب الارادة والقرار اللبناني لمصلحة التدخلات الاجنبية، التي ترجمت بالعديد من المبادرات العربية والاوروبية، كان اخرها مبادرة الجامعة العربية، التي ما زالت تتخبط في تعثرها...

مع تقديرنا ان المعضلة اللبنانية هي سياسية بامتياز، وليست دستورية، رغم ان الدستور اللبناني حمّال اوجه، الا انه لا بد من استعراض النصوص الدستورية التي ترعى انتخاب رئيس الجمهورية، والارضية السياسية التي ستولد هذا الرئيس العتيد.

الاطار الدستوري

اولاً: في النصوص الدستورية

مع ان المادة 49 من الدستور اللبناني قد حددت آلية انتخاب رئيس الجمهورية، غير ان ما اثير حول حجم النصاب المطلوب في جلسة الانتخاب، وما ترافق معها من الاستشهاد بنصوص اخرى دستورية، تتعلق باقتراع النواب على تشريعات متفرقة لربطها، بمجمل اشكالية اختيار الرئيس، مضافاً لذلك الجدلية التي اثيرت حول مدى ترأس نائب مجلس النواب الجلسات…..

1-  في النصوص الدستورية

ادخلت على الدستور اللبناني مقدمة تنفيذاً لوثيقة الوفاق الوطني بموجب القانون الدستوري رقم 18، 21/9/1990.

حيث ورد فيها: "لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز او تفضيل" (ف. ج)، "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية" (ف.د)، "النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها" (ف.هـ)، "الغاء الطائفية السياسية هدف وطني اساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية" (ف.ح)، "لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" (ف.ي).

ويبدو من خلال هذه المقدمة الدستورية مدى الالتباس في الاتجاه العام للمشرّع اللبناني، اذ أبقى ضمناً على التمايز بين المواطنين، وولوج باب المساواة، فيما بينهم استناداً للفقرة (ي)، وخلافاً مع ما ورد في الفقرة (ج)، مع انه كرّس مبدأ الغاء الطائفية السياسية بموجب الفقرة (ح)، ادراكاً منه انها تشكل علة هذا الوطن المزمنة، هذا الالتباس، اذا لم نقل التناقض في النصوص، ابقى نسب التذرع بالنص بالعيش المشترك ذريعة يتلطى وراءها كل ذي مصلحة، ويعلن تمسكه بها مظهراً غير ما يضمر. كما ان المادة 19 من الدستور اعطت "الى رؤوساء الطوائف المعترف بها قانوناً في ما يتعلق حصراً بالاحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني"، حق مراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين، يضاف لذلك العرف المطبق في لبنان بحصر الرئاسات الثلاث بطوائف معينة، وتقسيم النيابات والوزارات مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

ان تداخل هذه المبادئ بالحياة السياسية اللبنانية، واعتبارها معايير ثابتة بحكم دستوريتها، كان لها تأثيراتها على مجمل الحركة السياسية وتطلعات المواطنين بالانتماء لوطن ودولة، بديلاً عن اي انتماء طائفي او مذهبي او فئوي، قد ادى ليس فقط لتجميد حركة المجتمع في بنيته وتركيبته عند نقطة معينة، بل تعداها الى تكريس الحالة الشاذة والاستثنائية، وتجاوزت الانقسامات الحالة الطائفية الى الاطر المذهبية، مما ادى لاتساع دائرة نطاق التدخل الخارجي من هذه الدولة او تلك، مما فاقم من عمق الشرخ اللبناني، الذي نشهد ترجماته في انتخابات رئاسة الجمهورية.

وفي جانب النصوص تطالعنا بداية المادة 49 من الدستور، اذ نصت في فقرتها الاولى  على ان (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه وفقاً لاحكام الدستور. يرئس المجلس الاعلى للدفاع، وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء) واعتبرت هذه الفقرة تشكل تعويضاً لرئيس الجمهورية، عما فقده من صلاحيات كانت معطاة له قبل تعديل 1990.

وتناولت الفقرة الثانية آلية انتخابه، اذ ورد فيها: (ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري وبغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى، ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي. وتدوم رئاسته ست سنوات ولا تجوز اعادة انتخابه الا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته. ولا يجوز انتخاب احد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً على الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لاهلية الترشيح).

اما الفقرة الثالثة فانها تتعلق بانتخاب القضاة وموظفي الفئة الاولى، وما يعادلها اذ نصت بانه (كما لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئية الاولى، وما يعادلها في جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الاشخاص المعنويين في القانون العام مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعلياً عن وظيفتهم او تاريخ احالتهم على التقاعد).

يتبين ان المادة 73 من الدستور، قد حددت المهلة الدستورية للمجلس النيابي لانتخاب الرئيس، قبل نهاية ولايته، ونصت (قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية لمدة شهر على الاقل او شهرين على الاكثر، يلتئم المجلس بناءً على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد. واذا لم يدعى المجلس لهذا الغرض، فانه يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق اجل انتهاء ولاية الرئيس).

كما نصت المادة 74 (اذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس او استقالته او سبب اخر، فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون...).

واعتبرت المادة 75 (ان المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية، يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة او اي عمل اخر).

وقد احتاطت المادة 62 لمسألة خلو سدة الرئاسة ونصت (في حال خلو سدة الرئاسة لاي علة كانت، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء).

 

 

في ظل مناخات امنية وسياسية متوترة، طرحت مشكلة انتخاب رئيس للجمهورية، وتعددت التفسيرات السياسية للنصوص الدستورية، وشغل تطبيق المادة 49 من الدستور، الوسط السياسي ووسائل الاعلام في لبنان على امتداد الفترة الزمنية الماضية، وامتد ذلك الى خارج لبنان، ليشغل تطبيق المادة المذكورة المهتمين بأوضاعه؟.

والسبب الظاهر هو ان المادة 49 لا تتعرض صراحة الى موضوع النصاب، اي الى الحد الادنى من اعضاء مجلس النواب الواجب حضورهم، لكي يتمكن المجلس من الانعقاد بصورة صحيحة، والتداول واتخاذ القرارات، بل تكتفي بتحديد كيفية الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية، فتشترط ان يتم ذلك بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى، على ان يكتفى بالغالبية المطلقة "اي اكثر من النصف"، في دورة الاقتراع التي تلي. هذا في حين ان ثمة مادة اخرى في الدستور، هي المادة 34 تتعلق بالنصاب وتنص على ان اجتماع مجلس النواب لا يكون قانونياً، ما لم تحضره الاكثرية من الاعضاء الذين يؤلّفونه. ويستبعد الدكتور ادمون رباط كلياً تطبيق المادة 34، لانها مرتبطة بقيام المجلس بوظيفته التشريعية، في حين ان المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية، يعتبر هيئة انتخابية عملاً بالمادة 75 من الدستور، وليس هيئة اشتراعية. وينطلق دكتور رباط من اعتبارات المنطق السليم والمصلحة الوطنية، للاخذ بنصاب الثلثين لا بالنصاب العادي، او الاغلبية البسيطة. ويلتقي القاضي عبدو عويدات مع الدكتور رباط في هذا الرأي، عند تحليله للمادة 49، باعتبار ان القصد من فرض غالبية كبيرة في انتخاب الرئيس، هو تقوية موقفه وتدعيم سلطته، ليستطيع القيام بمهامه الخطيرة، وهو ممثل الغالبية من الشعب. وقد اخذ ايضاً بهذا الرأي النائب الحالي، والوزير والقاضي السابق بهيج طبارة، والمحسوب على كتلة المستقبل، في دراسة اعدها بهذا الخصوص تحت عنوان (نصاب الثلثين قراءة هادئة لنص المادة 49). ويرى في مسألة نصاب الثلثين (ان التفسير المنطقي السليم للمادة 49، يقضي بالقول انه لا يعقل ان يكون الدستور قد اشترط حصول المرشح للرئاسة في الدورة الاولى على اكثرية الثلثين وان يكون، في الوقت ذاته، قد ارتضى ان يتم ذلك في جلسة، يكتفى فيها بحضور نصف النواب زائد واحد. وان هذا التفسير، ينطبق على ما استقر عليه التعامل منذ اكثر من نصف قرن في مختلف العهود، وفي كل المجالس النيابية التي تعاقبت منذ فجر الاستقلال. تضاف الى ذلك مقتضيات المصلحة الوطنية بأن يجسّد رئيس الجمهورية وهو، بحسب المادة 49 ذاتها، "رمز وحدة الوطن"، ارادة اغلبية محترمة من ممثلي الشعب. وهذا بالتحديد ما قصده الدستور عندما اشترط بأن لا تقل الغالبية التي يجب ان يحصل عليها الرئيس بعد الدورة الاولى، عن الغالبية المطلقة من مجلس النواب، وذلك مهما تكررت الدورات، ومهما اقتضى الامر من وقت. ومتى سلّمنا بأن المادة 49، تفترض حضور ثلثي عدد الاحياء من النواب، فانه لا يمكن الانتقال الى الدورة الثانية من عملية الانتخاب، ما لم يكتمل نصاب الدورة الاولى. ذلك ان مجلس النواب لا يعتبر ملتئماً الا اذا توفر النصاب الملحوظ للجلسة. وان نظام المجلس الداخلي صريح لا يترك مجالاً للشك، عندما تنص المادة 55 منه على انه "لا تفتح جلسة المجلس الا بحضور الاغلبية من عدد اعضائه، ولا يجوز التصويت الا عند توفر النصاب في قاعة الاجتماع")

ويذهب خلاف هذا الرأي كل من الدكتور انطوان بارود والاستاذ أنور الخطيب.

 

ها قد مضى اشهر عدة، على الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية، وبقي الامر معلقاً، مما يدفعنا في ظل مختلف الاوضاع السائدة على الساحة اللبنانية، بأشكالها وتعبيراتها المتشّنجة، مما يدفعنا للتساؤل: هل نحن بصدد أزمة دستورية، ام بصدد أزمة نظام سياسي؟ هذا ما سنحاول تلّمسه في الفقرة اللاحقة.

 

هل الازمة دستورية ام ازمة نظام وكيان؟

منذ الاول من تشرين الاول 2004، يوم محاولة الوزير والنائب مروان حماده، شهد لبنان تداعيات مريرة في اوضاعه، ابرزها الانفجار الكبير في 14 شباط 2005، باغتيال رفيق الحريري مع 22 آخرين، يضاف لذلك العمليات الارهابية، التي استهدفت حياة سياسيين، ورجال فكر، واعلاميين، وقادة عسكريين، ومواطنين مدنيين، ومواقع اقتصادية وسياحية. وما نجم عن هذه التداعيات من انسحاب القوات السورية من لبنان، وصدور العديد من القرارات الدولية، سواءً تلك المتعلقة بالوضع اللبناني عموماً، ابرزها القرار 1559، ام تلك المتعلقة بالمحكمة الدولية، بدءً من قرار مجلس الامن، بارسال لجنة تقّصي حقائق في 25/02/2005، وبالقرار 1559، تاريخ 07/04/2005، القاضي بانشاء المحكمة الدولية ذات الطابع الخاص بلبنان، لمحاكمة قتلة رفيق الحريري ورفاقه، وما تلاه من قرارات بهذا الصدد، آخرها القرار رقم 1748، تاريخ 27/03/2007، ومترتبات اي من هذه القرارات، بتعيين مفوض للاشراف على تنفيذ اي منها، من دون ان نغفل القرار رقم 1701، الصادر بتاريخ 14/09/2006، في أعقاب حرب تموز العدوانية على لبنان، ومترتباته بنشر قوات الطوارىء الدولية، بعد زيادة عددها وعدّتها، جنوب الليطاني، الى جانب نشر قوات الجيش اللبناني.

ان مجمل هذه التطورات كانت موضع جدل ونقاش وتباين في وجهات النظر ضمن الطبقة السياسية في لبنان، مما ادى لحصول شرخ كبير في داخلها، تسبب بالانقسام بين موالاة ومعارضة.

هذا التباين في وجهات النظر، عكس نفسه سلباً على موقع رئاسة الجمهورية، وشخص الرئيس اميل لحود، الذي كانت تطالب قوى الاكثرية النيابية، التي افرزتها انتخابات ربيع 2005، بابعاده عن موقع الرئاسة، قبل انتهاء ولايته، من منطلق الطعن بشرعية التمديد له. ومن ثم انعكس هذا التباين على الحكومة لاحقاً، بعد ان استقال الوزراء الشيعة منها، بالاضافة لوزير ارثوذكسي، محسوب على الرئيس لحود. هذا الموقف دفع المعارضة للطعن في شرعية الحكومة، تحت عنوان مخالفتها الفقرة (ي)، من مقدمة الدستور اللبناني التي نصت بـ(لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك)، وباتت هذ المعارضة تتطلق على الحكومة صفة (الفاقدة للشرعية)، و(غير الميثاقية)، كما قاطعها رئيس الجمهورية، تحت ذات العناوين.

ومع اقتراب موعد انتخاب رئيس للجمهورية، بدأت الاكثرية النيابية، تعرب عن تخوفها من مواقف رئيس مجلس النواب، الذي يعتبر ركناً من اركان المعارضة، وتحكّمه بدعوة مجلس النواب للانعقاد ضمن المهل الدستورية، والاعتراض على عدم عقد الجلسات، التي كان يدعو اليها، وتأجيلها من موعد لآخر، متذرّعة باجراء العملية الانتخابية، بأكثرية النصف زائد واحد.

 

 

مجمل هذه العناوين، فتحت باب الجدل الدستوري على مصراعيه، وفي اجواء تحشيدية متوترة، وظروف امنية متفجّرة، بحيث امتد الطعن باالا شرعية الى مؤسسات دستورية، امتدت من موقع رئاسة الجمهورية، الى مجلس الوزراء، فرئاسة مجلس النواب. وبات الاتهام بمخالفة الدستور، سلاحاً يشهره اي فريق في وجه الفريق الآخر، وتعددت التفسيرات الدستورية، وتضاربت مع بعضها حتى قاربت حدود الهرطقة القانونية.

ان انكشاف الوضع السياسي بهذا الشكل، ادى الى مزيد من انكشاف الوضع الامني، وبشكل تحولت معه ساحة لبنان الى بؤرة للارهاب، ترجمت عملياً باستمرار مسلسل الاغتيالات، والتصفيات الجسدية، وبلغت ذروتها في عام 2007، بخوض الجيش اللبناني في حرب مع عصابات (فتح الاسلام)، الحركة السلفية الارهابية، التي جمعت قواها في مخيم نهر البارد، ومنطقة الشمال بشكل عام.

وبسبب تفاقم النزاع بين الاكثرية والاقلية النيابية، وانعكاس ذلك على الشارع اللبناني، سياسياً وامنياً واجتماعياً واقتصادياً، وعجز القوى السياسية عن ايجاد حلول وتسويات للوضع المتوتر والمأزوم، تتالت المبادرات الخارجية على لبنان، في محاولة لايجاد مخارج الحلول الازمة المستعصية. كان من ابرزها المبادرة الفرنسية، التي وصلت الى طريق مسدود، وجاءت المبادرة العربية، التي قام بها الامين العام للجامعة العربية، السيد عمرو موسى. وقد توصلت هذه المبادرة الى ما يلي:

- التوافق على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.

- تشكيل حكومة وفاق وطني تضم الاكثرية والاقلية النيابية، على الا تكون للاولى قدرة الترجيح، ولا تكون  للثانية القدرة على تعطيل جلسات مجلس الوزراء. وان يكون للرئيس العتيد المنتخب عدد من الوزراء.
- الاتفاق على قانون انتخابي جديد لمجلس النواب.

اعلن الفريقان موافقتهما على انتخاب العماد سليمان. واختلفا على احتساب الاعداد لكل فريق في مجلس الوزراء. كما اختلفا على مشروع قانون الانتخابات النيابية. اذ جرى تناسي مشروع الهيئة الوطنية لقانون الانتخابات، التي وضعته، وقدمته لمجلس الوزراء، لينام في الادراج، وبدأ التداول يجري على ان يعتمد قانون 1960، الذي قسّم الدوائر الانتخابية على اساس الاقضية، باستثناء دمج قضائي حاصبيا ومرجعيون مع بعضهما، وكذلك قضائي بعلبك والهرمل. وشكلّت هذه الاشكالية نقطة خلاف، لتتعداها الى الطلب بقانون يعتمد الدائرة الفردية. قوبل هذا الطلب باعادة التذكير بمشروع الهيئة الوطنية، وبما نص عليه اتفاق الطائف باعتماد المحافظة دائرة انتخابية، مع اعادة النظر بالتقسيمات الادارية... والمُلاحظ في لبنان انه كلما اتفق على نقطة من النقاط من حيث المبدأ، يغرق الاتفاق بالتفاصيل، حيث تكمن الشياطين المحلية والاقليمية والدولية، لتجعله متعثراً، ويصل الى الطريق المسدود.

جال عمرو موسى وصال في حركته المكوكية في بيروت بين مختلف الاطراف المعنية، وامتدت حركته الى العديد من العواصم العربية، دون ان يؤدي ذلك الى حسم الخلاف الحاصل، الذي وصف بأنه خلاف بين الدول العربية، خاصة السعودية وسوريا، مع ارتباط هذا الخلاف بالمحاور الاقليمية والدولية،

 

والنزاع الجاري في المنطقة والممتد كحد ادنى من العراق الى فلسطين، وليكون لبنان ساحة للصراع المذكور. ولعل القمة العربية التي عقدت في دمشق، بتاريخ 28-29/03/2007، والتي قاطعتها الحكومة اللبنانية، كما جرت مقاطعتها من قبل عدد من الملوك والرؤوساء العرب، عكست بشكل او بآخر صورة الخلاف بلبنان او عليه.

هذا الوضع لم يفاجىء المتابعين للوضع اللبناني، سواء لجهة شغور موقع رئاسة الجمهورية، وبقاء ذلك الى امد غير محدد او مرئي، والذي قد يمتد لموعد الانتخابات النيابية القادمة في ربيع عام 2009، والذي قد يؤدي الى عدم الاتفاق على قانون انتخابات، ولا يبقى بوجه الطبقة السياسية في لبنان الا التمديد للمجلس الحالي، قياساً على ما كان يحصل في فترة الحرب اللبنانية، وبقاء الازمة اللبنانية مفتوحة على مختلف الاحتمالات السلبية منها، بما في ذلك انفجار الوضع الداخلي، ودخول لبنان في اتون حرب اهلية جديدة، او حدوث حروب اقليمية في هذه المنطقة، يكون لبنان احدى ساحاتها... ليتحدد على ضوئها مصير لبنان وطناً وكياناً ونظاماً سياسياً، بحيث يتحقق احد السيناريوهات التالية:

- تفتت الكيان بين الطوائف والمذاهب.

- توفر عوامل خارجية لفرض صيغة تسوية بين اللبنانيين، قياساً على تجارب النزاعات السابقة التي حصلت على ارضه، وادت لذلك. والتسوية لن تكون سوى مؤقتة، لانها لا تراعي مبدأ قيام الدولة بمفهومها الدستوري، والحاضنة لكافة ابنائه على اختلاف انتمائهم الطائفي والمذهبي.

- فرض صيغة نظام سياسي، يغّلب فريق على آخر، قياساً على ما حصل في اجتياح عام 1982، او ما جرى بعد اتفاق الطائف، واي من الصيغتين لن يكتب لها الحياة والاستمرارية، انما ستؤسس لنزاعات داخلية جديدة.

واقع الطبقة السياسية في لبنان

لبنان هذه البقعة الجغرافية، التي لا تكاد تبدو على خارطة العالم، اكثر من نقطة صغيرة جداً، قدره في تواجده ضمن منطقة تتلاطم فيها الاحداث المتعاقبة على امتداد التاريخ البشري، وتتزاحم بفعل مختلف العوامل والمصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية. شكّل ويشكّل عامل جذب للتدخلات الاقليمية والدولية، وساحة صراع ملتهبة، من حين لآخر، بين بنيه، الذين اعتادوا الاستقؤاء على بعضهم البعض بالنفوذ الاجنبي، وفق ما يتبين من حقبة المرحلة العثمانية في اواخر ايامها، كحد ادنى، مروراً بفترة الحرب الباردة، ولغاية المرحلة الراهنة التي نعيشها.

هذا البلد في واقعه احتضن بين مختلف بقاعه عبر التاريخ طوائف ومذاهب، وجدت في جروده ساحة امان لها من الظلم والطغيان، فوّلدت هذه الحالة انساناً طموحاً قادراً، جاب مختلف بقاع الاغتراب، ونهل من ينابيع العلم والمعرفة، لتظهر صورة مميزة له، اينما حلّ وارتحل، تركت ظلالها وبصماتها، على اقرانه المقيمين على ارضه، مما يجعلنا ان نقول: ان اللبناني ناجح ومتألق في حياته كفرد، من دون ان يتمثل هذا النجاح بخلق نظام سياسي، يتطابق مع ميزاته في التقدم والرقي. وبمعنى من المعاني، لم تتح للانسان اللبناني امكانية الخروج السوسيولوجي من شرنقة اطر وعلاقات مجتمعية، بمختلف تشغيلاتها البدئية، من قبلية

 

وطائفية ومذهبية، الى رحاب منطق العصرنة والحداثة، او ما بعدها. فقد بقي اللبناني رغم مظاهر الحداثة عليه اسير علاقات متخلفة تحكمه وتتحكم به. فبدلاً من ان يبسط الفكر المديني واقعه عليه، سيطرت نزعة ترييف المدينة لديه في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

هذا الواقع الاجتماعي، يعكس صورة التحزّب في مجتمع قائم على تهجينات محلية، يتداخل فيها المذهبي بالعائلي، والديني بالسياسي، والشخصي بالعام، اي ان لتكوينه ظروف محلية، وحيثيات اجتماعية لا تتطابق مع ما تحزّب به، واليه... وهو غير مبني على برنامج سياسي محدد، وواضح المعالم، خلافاً لما هو حاصل في الغرب. هذا التحزّب أدّى الى تحشيد مذهبي وطائفي بلغ ذروته، وانحدر الى درك اضحى فيه تخوين الاخر واتهامه بالعمالة، يبدو وكأنه من مكونات مشروع استراتيجي لكل فريق، وليس من باب التكتيك لرفع سقف المطالب السياسية، عبر الضغوط من خلاله للحصول على ثمن مقابل التخلي عنه. اذ ان كل فريق من فريقي النزاع، يعتبر نفسه على حق، والاخر هو الباطل والشر بعينه. وبات لبنان نتيجة هذا الانقسام، قد عاد الى نقطة البداية، من خلال الاختلاف على هوية هذا البلد، دوره ووظيفته وانتماءه. هذا الاختلاف وضع الكيان بمجمله على برميل بارود، قابل للانفجار في اي لحظة.

ان النظام الطائفي المعمول به في لبنان، مولّد أزمات لا تتوقف، أدى ويؤدي الى شل مشروع الدولة، ويقوم على افراغها من مكوناتها لصالح مشاريع الدويلات الطائفية، التي يتزايد تماسكها مع تآكل سلطة الدولة المركزية. اننا ازاء فدرالية غير معلنة، من نوع خاص، لا قيام على قاعدتها للدولة الواحدة بعدها. هذا المسار، كما تتعزز صورته اليوم، ليس مأمولاً منه ان يجلب الاستقرار السياسي، ولا الامني، ولا الاجتماعي. بل هو يبرهن، اكثر فأكثر، على ان قضايا اللبنانيين المشتركة بينهم، هي الضحية الاساسية.

ان الوجه الاجتماعي للازمة، فاض عن حدود الجماعات الطائفية والسياسية، وعن قدرتها على استيعابها ضمن دائرة التحكّم بالسيطرة عليها. رغم ان النزف الاجتماعي الذي ألقى بعشرات الالاف من الشباب في طريق الهجرة، الاّ ان القطاعات الاجتماعية الباقية، لم تعد تحتمل كلفة المعيشة، التي باتت تحددها أسقف دولية للغلاء، متأثرة بالاوضاع العالمية لأسعار النفط ومشكلات الاقتصاد العالمي. فيما يحتاج لبنان الى سياسات اقتصادية واجتماعية نشطة تتولاها الدولة، لأنه يواجه مشكلات استثنائية ليس أقلّها الحرب، بل الانكماش الاقتصادي الناجم عن مناخ الازمة السياسية، علماً بأن الخيارات الاقتصادية التي رسمتها القوى المسيطرة بعد الحرب الاهلية، ما زالت نفسها في اتجاه تضييق حجم الفئات المستفيدة من النهج الاقتصادي.

لقد بات واضحاً انتهاء صلاحية هذا النظام الطائفي، والازمة ببعديها الداخلي والخارجي، لن تجد حلاً لها بتقاسم مرن للسلطة، يسمح باستقرار النظام السياسي. وان خلاف أهل السلطة على المحاصصة، لن يجد نقطة توازن له الاّ من قبل فريق ثالث. لقد ابتلعت الانقسامات الدولة والمجتمع، والانتفاخ غير المسبوق للطوائف ومشاريعها، تظهر استحالة استعادة الحياة الطبيعية في البلاد، كما هناك استحالة لتحقيق أي مشروع طائفي، يتم فرضه وتغليبه من قبل هذا الطرف او ذاك. ان انسداد الافق في الواقع اللبناني، يضاعف الحاجة الى مشروع الدولة، واعتبار الانهاك الذي طال الفريقين، ولم يوّفر مؤسسة الجيش من الاستهلاك في لعبة السيطرة، يجب ان يفتح الطريق امام صيغة تأسيسية جديدة. لم يعد من مخرج سوى البدء بتطبيق اتفاق

 

الطائف نصاً وروحاً، وان يتشكّل مجلس الشيوخ، ليعطي للطوائف ضماناتها، وان يتحرر المجلس النيابي من القيد الطائفي، لتحرير الديمقراطية اللبنانية من (الفيتووات) الطائفية.

ان اعادة تشكيل الحياة الوطنية، مرهون بوجود دولة ووطن ومجتمع له دينامياته وانقساماته الاجتماعية. المسألة اللبنانية ببعدها التاريخي المعقد، كانت المهمات فيه دائماً مركبة بين الاجتماعي والوطني، بين السياسي والطائفي، ويقتضي ابتداع مشروع خلاص للبنان انطلاقاً من ضرورة اولوية بناء الدولة. ان الدولة بحد ذاتها أهم انجاز يمكن ان يقدّم للمواطنين.

   الوضع الامني في لبنان

واصل الوضع الامني في لبنان، تدهوره باتجاه الأسوأ. واذا كان عام 2005، هو عام مسلسل الاغتيالات، التي تواصلت مع عام 2006، وما رافقها من عدوان اسرائيلي كبير، صيف ذاك العام، فان عام 2007 شهد مزيداً من تردي الاوضاع الامنية، واتساع رقعتها، والحدث الابرز كان احداث مخيم نهر البارد. والجدول المرفق بهذا التقرير، يضيء على مسلسل عناوين الاحداث اللبنانية في الفترة الماضية.

ومما لاشك فيه، ان المناخ السياسي الذي يعيشه لبنان، قد كان له اثره على تردي الاوضاع الامنية، التي أسهمت بمزيد من تردي الاوضاع الاقتصادية، بانتشار البطالة، وتدافع اللبنانيين نحو أبواب السفارات، طلباً للهجرة، وهرباً من الاوضاع المأساوية التي يعيشونها. مما دفع عدد من المراقبين لتوصيف لبنان بأنه واحدة من الدول الفاشلة في العالم. 

استهّل عام 2007، بأحداث 23 و25 كانون الثاني، التي أدت لاشتباكات امتدت من حرم جامعة بيروت العربية، الى محيطها، واستعملت فيها الاسلحة الفردية، فكان للقنّاصة دورهم، وكذلك لحملة السكاكين والعصي والحجارة... وامتدت هذه الاشتباكات بأشكالها المتخلفة، الى العديد من مناطق بيروت الغربية، لتوضع حواجز على الطرقات تدقق في هويات المواطنين. أدت هذه الاشتباكات الى سقوط عدد من القتلى والجرحى، وكادت ان تشعل فتيل فتنة مذهبية، تداركتها العوامل الخارجية....

لقد تم اخماد الفتنة في حينها، لكن النار بقيت تحت الرماد. اذ شهد العام الماضي سيل من الحوادث الامنية، الناجمة عن الانقسام الداخلي، والمتنقلة من منطقة لاخرى، حاصدة حياة وأرواح مواطنين أبرياء. وامتد مسلسل المتفجرات الارهابية، ليطال قوات (اليونيفيل)، والبعثات الديبلوماسية، وقادة في السلك العسكري للجيش وقوى الامن، مما دعا دول عربية واخرى غربية، لتحذير مواطنيها من السفر الى لبنان.

تميزت هذه الفترة بظاهرة انتشار السلاح في مختلف المناطق اللبنانية، مع اتهام سوريا وأطراف فلسطينية بأنها تزّود المعارضة بذلك، من قبل قوى الموالاة، وتقارير (تري رود لارسون) المشرف على تنفيذ قرار مجلس الامن 1559.

تواصلت حوادث الاشتباكات بين عناصر طرفي القوى السياسية، وتعدت ساحاتها أحياء بيروت الغربية، الى مناطق الشمال والجبل والبقاع، ومخيم عين الحلوة في داخله ومع محيطه. وتداخل الاعتراض على الاوضاع المعيشية مع الاوضاع الامنية، متخذاً عناوين، انقطاع الكهرباء، او أزمة الرغيف، او اشكاليات البناء المخالف في طرف برج البراجنة، مما كان يتسبب بقطع طريق المطار... والحدث الابرز هو ما حصل

 

في محيط كنيسة مار مخايل - عين الرمانة في 27/01/2008، اذ احتشد عدد من مواطني الضاحية الجنوبية، اعتراضاً على انقطاع الكهرباء. وتحول هذا الاعتراض الى اشتباك مع الجيش اللبناني، ذهب ضحية الحادث عدد من المواطنين، قتلى بينهما مسعفان من الدفاع المدني والاسعاف الشعبي، وكذلك مجموعة من الجرحى.

وكاد هذا الحادث ان يتسبب باشكاليات امنية بين حزب الله وحركة امل والجيش اللبناني، وكذلك منطقة عين الرمانة، بما تمثل من رمزية في الحرب اللبنانية. جرى تدارك الوضع، وتشكّلت لجنة تحقيق، نظمت تقريرها بسرعة، واحالت متسببي الحادث الى القضاء اللبناني.

ان عام 2007 كان عاماً سيئاً على صعيد الوضع الامني لكثرة الحوادث المبينة في الجدول، بالاضافة لحوادث مختلف المناطق اللبنانية، وجميعها ادت لمقتل 61 شخصاً، واصابة 462 اخرين بجروح. هذه الاعمال الجرمية، عدا عن كونها تشكّل في جانب منها اعمالاً ارهابية، تشكّل بمجملها انتهاكاً للحق بالحياة.

 

 

    

الاعتداءات الاسرائيلية

من المعروف ان اسرائيل شنّت حرباً عدوانية على لبنان، في صيف عام 2006، وتسببت قواتها العسكرية بعمليات تدميرية واسعة، تجاوزت الجنوب، لتتطال مختلف المناطق اللبنانية. وارتكبت مجازر بشرية بحق المدنيين. وقد تابعت جمعيتنا رصد انتهاكات الحرب المذكورة، ووثقتها.

بعد صدور القرار الدولي رقم 1701، انتشرت قوات الطوارىء الدولية (اليونيفيل)، جنوب نهر الليطاني، بعد ان ازداد عددها الى 15000 جندي، من جنسيات مختلفة، وبعدة مختلفة ايضاً. كما انتشرت قوات الجيش اللبناني في المنطقة المذكورة، وبلغ عددها 13000 جندي.

لم تلتزم اسرائيل بجانب من بنود القرار المذكور، اذ استمرت في تعدّياتها، من ابرزها:

- اختراق طائراتها للأجواء اللبنانية يومياً.

- اختراق زوارقها للمياه الاقليمية اللبنانية.

- الابقاء على احتلال بلدة الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

- عدم تسليم خرائط الالغام التي نثرتها بكثافة عشية نهاية حرب تموز.

- الابقاء على احتجاز أسرى ومعتقلين في سجونها.

- اقدامها على اغتيال القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية، بعبوة متفجرة، وضعت داخل سيارته، اثناء وجوده في دمشق.

- محاولة اختراقها للخط الازرق من حين لآخر، وتصدي قوات الجيش اللبناني لها، وتدخل قوات (اليونيفيل)، لتهدئة الوضع.

- اقدامها مؤخراً على اجراء أكبر مناورة عسكرية في تاريخها، تعويضاً عن خسارتها العسكرية في حرب تموز، بشهادة تقرير (فينوغراد)، واعتبرت رسالة موجهة للمقاومة وسوريا.

ان المخالفات المذكورة المخالفة للقرار الدولي ولاتفاقية جنيف والمواثيق الدولية، تتم على مرأى ومسمع قوات (اليونيفيل)، ويرد بعضها في التقارير المقدمة لمجلس الامن الدولي، والذي يكتفي بالتذكير بها، ولا يسعنا في هذا المجال الاّ ان نسجل عجز المجموعة الدولية عن مقاضاة اسرائيل عن جرائمها، التي ارتكبتها بحق لبنان، وعجزها ايضاً عن تحويل قرارها، بوقف العمليات العدائية الى قرار دائم لوقف اطلاق النار.

الأسرى والمعتقلون في السجون الاسرائيلية

لقد مضى على اعتقال سمير القنطار، عميد الاسرى اللبنانيين، اكثر من ثلاثين سنة، وترفض اسرائيل الافراج عنه، كما تنكر وجود المعتقل يحي سكاف لديها. وفي حرب تموز الاخيرة، اسرت اسرائيل ثلاثة مواطنين مقاومين، وهي تحاكمهم امام محكمة الناصرة، خلافاً لاتفاقيات جنيف، التي تعتبرهم اسرى حرب، لا تجوز محاكمتهم. وتحتفظ بالمواطن اللبناني وسيم نسر، بعد ان حاكمته، وانتهت فترة محكوميته في شـبـاط الماضي، وترفض اطلاق سراحه.

 

 

تتذرع اسرائيل بوجود اسيرين لها لدى حزب الله، جرى اختطافهما مع بدء حرب تموز، كما تتطالب بالكشف عن مصير الطيار (رون أراد)، الذي أسقطت طائرته عام 1986. وحتى تاريخه لم تؤدي مفاوضات التبادل الى نتيجة، من شأنها اطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين.

حقول الألغام

قبل وقف العمليات العسكرية في 14/08/2006، زرعت اسرائيل ارض الجنوب، بالقنابل العنقودية. وكانت التقديرات الاولية للمساحة الملوثة بـ 38800000 متر مربع، ضمن 400 حقل، وازدادت هذه المساحة لاحقاً، لتُقدّر المواقع الملوثة بـ 966 حقلاً، وقد يرتفع هذا الرقم بفعل اكتشاف مواقع جديدة. ويُقدّر عدد القنابل المقذوفة بـ 4 ملايين قنبلة مزروعة في الارض (باعتراف عدد من جنرالات اسرائيل).

جرى اطلاق هذه القذائف باتجاه الاراضي اللبنانية، من خلال القذائف الصاروخية، التي تحمل كل قذيفة 644 قنبلة عنقودية، او قذائف الطيران، حمولة كل قذيفة 650 قنبلة عنقودية، او قذائف مدفعية، حمولة كل قذيفة 88 قنبلة عنقودية.

يتولى مركز التنسيق لنزع الالغام عملية تنظيف المواقع، وهو مؤسسة قائمة بين الدولة اللبنانية ومنظمة الامم المتحدة. وكان قد حدد نهاية عام 2007 موعداً لانتهاء نزع الالغام وتفجيرها. غير ان اكتشاف حقول جديدة، دفعت الجيش اللبناني للطلب من المركز المذكور، متابعة عمله حتى نهاية 2008، وقد أعاد هذا المركز جدولة اعماله في بداية الشهر الحالي، ليس للانتهاء من تنفيذ واستكمال المهمة، بل لتسليمها للجيش اللبناني للمتابعة. علماً بأن المركز لديه 20 فرقة عاملة، فقد 4 اشخاص من بينهم حياته في حقول الالغام.

بلغت الكلفة المالية لنزع الالغام 97 مليون دولار، ويُقدّر المركز انه بحاجة لـ3 ملايين دولار آخرين. وقد تم تفجير 145000 لغم منذ 14 آب 2006، حتى تاريخ 04/04/2008.

بلغ مجموع ضحايا القنابل العنقودية حتى تاريخه 260 ضحية، بينهم 27 قتيلاً مدنياً، غالبيتهم من الاطفال، وأصيب 19 مواطناً منهم باعاقة دائمة. كما بلغ ضحايا الجيش اللبناني 21 جندياً، من بينهم 8 قتلى، وقتيل من قوات (اليونيفيل).

السجون في لبنان

لم يطرأ اي تغيير على واقع السجون في لبنان، سواء من الوجهة القانونية، ام العملية. وبقيت اوضاعها على ما هي عليه، ان لم نقل ازدادت تردياً بسبب كثرة الموقوفين، على حساب الاوضاع الامنية المتردية.

في تقرير اعدته مديرية السجون لمجلس الوزراء، بتاريخ 05/11/2007، أظهرت فيه ان عدد المساجين والموقوفين حتى التاريخ المذكور، بلغ 5776 موقوفاً ومحكوماً. من اصلهم يوجد في سجن رومية المبني في ستينات القرن الماضي، 3694 سجيناً وموقوفاً. هذا عدا عن السجناء والموقوفين الاجانب البالغ عددهم 1050 سجيناً وموقوفاً، كما بيّنا في وضع اللاجئين الاجانب. كما يوجد 220 موقوفاً بتهمة الانتماء لـ(فتح الاسلام)، وتعدّ الحكومة العدة لمحاكمتهم ضمن (كونتنر)، يجري تجهيزه في سجن رومية لهذه الغاية.

 

 

ما سجّل خلال العام الماضي وفاة عدد من المساجين، تبينت الارقام بشأنهم، ما بين 5 مساجين و20 مسجوناً، عُرف منهم ناجي خضر طرابلسي، توفي في رومية في 11/12/2006، ووسام صندقلي، توفي بدوره في 08/03/2008، بالاضافة لأحد الموقوفين من فتح الاسلام، وذلك بسبب المعاملة السيئة، وحالة الاضطهاد التي يتعرض لها، خاصة الموقوفون. كما سجّل هروب 10 سجناء من سجن زحلة، خلال شهر شباط الماضي. كما ظهر في اعقاب احداث مار مخايل لهذا العام، توقيف عدد من الاحداث، أخلي سبيلهم بعد فترة اسبوع.

وتبقى مسألة توقيف الضباط الاربعة منذ 30/08/2005، موضع جدل قانوني وسياسي في لبنان، وقد اعتبرت مفوضية حقوق الانسان في جنيف، توقيفهم قسرياً، والاشكالية ان قضاء التحقيق اللبناني، يعتبر توقيفهم، مستنداً لطلب المحقق الدولي (ميليس)، بينما تصريحات الامم المتحدة والمحقق اللاحق (برامارتس)، يعتبر ان مسألة توقيفهم، خاضعة لصلاحية القضاء اللبناني. وهذا التوقيف الطويل الامد لهؤلاء مع آخرين، بدون احالتهم الى المحاكمة ضمن مدة معقولة، يعتبر اخلالاً بمعايير المحاكمة العادلة. 

ان ملاحظاتنا على السجون في لبنان، قد تم تسجيلها من كافة جوانبها في تقريرنا لعام 2006، وما يمكن ابرازه في هذا التقرير، ضرورة ما يلي:

- تشكيل اللجان الادارية والقضائية، لتطبيق قانون تنفيذ العقوبات، وهذه المهمة في عهدة وزارة العدل، التي تتقاعس عن ذلك.

- الضرورة القصوى لتطبيق النصوص القانونية الصادرة، والقاضية بالحاق السجون بوزارة العدل، بدلاً من وزارة الداخلية.

- الضرورة القصوى باعادة النظر بوضع السجون في لبنان، من منطلق معايير الاصلاح الجنائي، مع التركيز على اغلاق سجن الامن العام للاجانب، لان ابقاءهم بعد انتهاء مدة عقوبتهم، يشكل توقيفاً تعسّفياً.

 

 

الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان

لم يطرأ أي تطور جديد على الاوضاع البائسة، والمهينة للكرامة الانسانية، للفلسطينيين في لبنان. فقد ازدادت أوضاعهم من كافة جوانبها تردياً نحو الأسوأ. وفاقم من معضلة هذا الوضع، اندلاع الحرب بين عصابات (فتح الاسلام) السلفية والجيش اللبناني، في مخيم نهر البارد. حيث انعكس الوضع المذكور على المخيمات الاخرى، خاصة لجهة التدابير الامنية، التي تتخذها السلطات اللبنانية، عند المداخل المحددة لأي مخيم منها، عملياً هو محاصر بالاسلاك الشائكة.

يبلغ عدد الفلسطينيين في لبنان 411000 لاجىء، حسب قيود (الانروا)، يضاف اليهم 30000 لاجىء، دخلوا الاراضي اللبنانية، اثناء فترة وجود المقاومة الفلسطينية، وهم مكتوموا القيد، ولا يحملون اي هوية، بالاضافة لـ5000 لاجىء من فاقدي الهوية بدورهم. يقيم في المخيمات نسبة 45% من مجموع اللاجئين، ويتوزع الباقون في مناطق عدة من لبنان، بالاضافة لمن غادروه باتجاه مختلف بلدان العالم، بقصد العمل وتحصيل لقمة العيش.

بقيت الرقعة الجغرافية، لأي مخيم، محصورة ضمن المساحة التي كانت عليها عام 1948، مما شكّل اكتظاظاً سكانياً، داخل كل مخيم، في بيئة تفتقر لأبسط متطلبات الحياة الصحية والاجتماعية. وزاد الطينة بلةً، ذاك القانون، الذي يمنع على الفلسطيني التملّك، ولو لكوخ يأوي فيه أسرته، تحت عنوان منع التوطين.

(لمزيد من التفاصيل، يُراجع تقريرنا لعام 2006، الذي ناقش العديد من جوانب معاناة الفلسطينيين، خاصة في ظل حالة الفراغ القانوني، والتعامل معهم من قبل السلطات الامنية، بخلفية امنية بعيداً عن اي نظرة انسانية).

احداث البارد

في ظل حالة الانكشاف الامني في لبنان، وعدم التوصل لحل مسألة السلاح الفلسطيني، شكّلت المخيمات الفلسطينية، بؤرة صالحة لاستقطاب الخارجين على القانون، ووجدت القوى السلفية، موطىء قدم لها. حيث اخذت تتمدد وتنتشر مستفيدة من المدّ الاصولي في وسط الحالة الاقتصادية الخانقة للفلسطينيين. اذ بدأت تنمو وتنتشر المنظمات السلفية، الى جانب منظمات منظمة التحرير، والمنظمات الاسلامية المتمثلة بـ(حماس)، والجهاد الاسلامي. فقد شهدت الساحة المذكورة، ولادة تجمعات سلفية باسم (عصبة الانصار) و(جند الشام) و(أنصار الله).

من رحم هذه التنظيمات السلفية، اعلن شاكر العبسي، المنشقّ عن (فتح الانتفاضة)، تشكيل تنظيم، أطلق عليه اسم (فتح الاسلام). وقد وجد في المخيمات الفلسطينية، ومناطق الشمال اللبناني، تربة خصبة لطروحاته، مستفيداً من تنامي الحالة المذهبية في لبنان، وقد وجد من يتعاطف معه، من رجال دين، ومواطنين لبنانيين، وسياسيين، رأوا في تواجد هذا التنظيم ضالتهم، للاستقواء على الطرف المذهبي الاخر، في اللعبة اللبنانية القذرة. واتخذ من مخيم نهر البارد مركزاً لحشد مناصريه.

 

 

 

صباح 20/05/2007، داهم (فرع المعلومات) في قوى الامن الداخلي، شققاً سكنية في طرابلس، يقيم فيها عناصر من هذا التنظيم، بحجة القاء القبض على مجموعة، نُسب لها انها سطت على مصرف... وبدون ان يحصل تنسيق مع الجيش اللبناني، كما تبين لاحقاً. ادت هذه الحادثة الى فتح جبهة حرب من قبل العصابات المذكورة، في طرابلس وجرود الضنية ومخيم نهر البارد. اذ اقدمت عناصر هذه العصابة على تصفية 6 جنود لبنانيين في جرود الضنية، كانوا عائدين من اجازاتهم، وتصفية 20 جندياً لبنانياً، كانوا نياماً في مهاجعهم، في جوار مخيم نهر البارد.

حُسمت المعركة عسكرياً وبشكل سريع في مدينة طرابلس، بعد ان تدخل الجيش اللبناني، لكنها استمرت بضراوة، في مخيم البارد، حتى 03/09/2008. لقد اقدمت هذه العصابة الارهابية عملياً على اختطاف المخيم المذكور بسكانه، والبالغ عددهم 32000 لاجىء، واتخذت منهم دروعاً بشرية لمجابهة قوات الجيش اللبناني، الذي قرر حسم المعركة عسكرياً، بتصفية هذا التنظيم الارهابي.

كانت معركة حربية قاسية، فقد فيها الجيش اللبناني 168 جندياً، بالاضافة لأعداد كبيرة من الجرحى. وتم تدمير المخيم بكامله، بعد ان أُفسح في المجال لاخراج سكانه المدنيين، حيث نزحوا الى مخيم البدّاوي بشكل خاص، ومدينة طرابلس ومختلف المناطق اللبنانية. استعملت في المعركة المذكورة مختلف انواع الاسلحة القتالية، وامتد قصف (الكاتيوشا)، الى عدد من البلدات اللبنانية المجاورة للمخيم.

أدّت هذه المعركة القاسية الى مقتل 22 مدنياً فلسطينياً (مبينة أسماؤهم في الجدول الملحق)، بالاضافة لعشرات الجرحى، ومقتل المئات من العصابة الارهابية المذكورة، واعتقال مئات الاشخاص المنتمين للتنظيم المذكور ولحركات سلفية اخرى، وجميعهم ينتمون لجنسيات مختلفة...... واستطاع مسؤول التنظيم المذكور ان يهرب من المخيم ويتخفى.

وحتى تاريخه، بقيت عودة النازحين محدودة جداً، لأن عملية اعمار المخيم، تجري ببطء شديد.

ان الاطراف المتقاتلة في المعركة المذكورة، لم تلتزم باتفاقيات جنيف لجهة تحييد المدنيين، من مسرح العمليات القتالية.

انعكس وضع مخيم البارد على مختلف المخيمات الفلسطينية، خاصة لجهة الجانب الامني والتدابير المتخذة، والتي ادت لمزيد من التضييق على اللاجئين.

وضع مخيم عين الحلوة

يشكّل هذا المخيم اكبر مخيمات لبنان، ويعاني من اكتظاظ سكاني، وهو مسوّر بأسلاك شائكة، اسوة بباقي المخيمات، باستثناء مدخله الرئيسي، حيث يجري التدقيق في هويات المواطنين من قبل القوى الامنية.

في داخل المخيم تتواجد كافة القوى والفصائل الفلسطينية، بما في ذلك الحركات السلفية، ويعاني من اضطرابات امنية من حين لاخر، تارة بين الفصائل المسلحة ذاتها، خاصة مع السلفية منها، وطوراً مع الجيش اللبناني، وقوى لبنانية متواجدة في منطقة تعمير صيدا.

تؤدي هذه الاشتباكات الى وقوع ضحايا مدنيين، مما يشكل انتهاكاً للحق بالحياة، والى نزوح السكان عند حصول اي اشتباك.

 

خلاصة

ان اوضاع الحقوق المدنية للفلسطينيين، تستدعي المعالجة من قبل الدولة اللبنانية، بتحمّل مسؤولياتها تجاه هذه الشريحة الاجتماعية، ومنظمة الانروا، حيث تكثر الشكوى من قلة المساعدات والخدمات التي تقدمها. اذ ان الفلسطينيين محرومون من اية حقوق، تفرضها المواثيق الدولية مثل الحق بالعمل، والحق بالصحة، والحق بالتعليم، مما يجعل وضعهم بائساً، وبشكل يتنافى مع الكرامة الانسانية المحفوظة. ويزيد من تعقيد الامور، حرمانهم بموجب القانون اللبناني، من حق التملّك، هذا القانون الجائر يقتضي الغاؤه.

 

 

 

 اللاجئون غير الفلسطينيين في لبنان

هذا العنوان استحوذ على معالجة مطوّلة في تقريرنا لعام 2006، ويمكن العودة اليه، والابرز في هذه الشريحة، هو مشكلة اللاجئين العراقيين في لبنان. لا يوجد احصاء ثابت لعدد اللاجئين العراقيين، والتقديرات تشير الى وجود 50000 لاجىء، يتوزعوا في مناطق متعددة من لبنان، كما تشير الاحصاءات الى ان عدد الحاصلين على بطاقات حماية من مفوضية اللاجئين، لا يتجاوز عددهم الـ 10000 لاجىء، والارقام التي نوردها، تستند الى احصاءات كل من المركز الدولي للهجرة، والمؤسسة الدانمركية للجوء، التي اجرت مسحاً بتاريخ سابق، بناءً لطلب المفوضية.

كما هو معروف تتحكم شبكات التهريب، بادخال اللاجئين الى لبنان، مقابل مبالغ نقدية، وتلاحقهم السلطة اللبنانية، بدخول الاراضي اللبنانية بصورة غير قانونية. وتشير ارقام وزارة الداخلية اللبنانية المقدمة لمجلس الوزراء اللبناني، بتاريخ 05/11/2007، الى وجود 1250 لاجئاً من جنسيات مختلفة، انتهت فترة محكوميتهم، يحتجز من اصلهم 495 موقوفاً في سجن الامن العام، و765 موقوفاً موزعين في سجن رومية وعلى مختلف السجون اللبنانية. بانتظار اعادة تسفيرهم، او ايجاد حل لترتيب اوضاعهم مع سفارات بلادهم ومكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان. وتلقى عملية اعادة التسفير، خاصة للعراقيين، اعتراض هيئات المجتمع المدني في لبنان، لان ذلك يؤدي الى تسليم اي لاجىء لجحيم قد يختلف عن جحيم السجن، كونه معرضاً للتصفية والاضطهاد في بلده. وهذا التصرف يخالف المعايير الدولية.

ان معاناة اللاجئين العراقيين في لبنان، تتنافى مع ابسط القيم الانسانية، اذ لا تختلف مطاردتهم امنياً عن الاساءة لهم من قبل العاملين في مكتب مفوضية اللاجئين، الذين هم بحاجة لاعادة تأهيل على المفاهيم الانسانية. اذ تنام في ادراج المكتب معاملات اللاجئين، وينتظرون رحمة وشفقة الموظف العامل في المكتب المذكور. وقد رصدت جمعيتنا حالات الاساءة هذه، وبلّغت مكتب المفوضية عنها، بما في ذلك تهمة الرشوة. كما اثارت ملف اللاجىء (عامر آشو)، الذي ضربه حراس المكتب لدى المراجعة.

اما على صعيد الرعاية والخدمات، فانها تكون استنسابية  وانتقائية، خاضعة لمعايير وتصنيفات فئوية، بدليل ما ورد في دراسة لمنظمة الهجرة العالمية، حيث ورد (ويبرز أيضا عنوان آخر: صعوبة الحصول على الخدمات، اذ يواجه العديد من العائلات العراقية صعوبة في تأمين حاجاتهم الأساسية. وهذا الوضع يسوء نظرًا الى طول مدة النزوح، واستنفاد المدخرات ومصادر الدخل الأخرى اضافة الى الرواتب. ويقدم بعض الجهات الحكومية وغير الحكومية الخدمات الى العراقيين، ولكن العديد من العوائق تحـد من إمكان الاستفادة منها، وهي معاملات إدارية معقدة وغير مشرّفة، تمركز معظم المنظمات في العاصمة، بينما إمكان تنقل العراقيين محدود بسبب العوائق الاقتصادية والأمنية، تقديم الخدمات على أساس الانتماء المذهبي والطائفي، غياب الوعي ازاء الخدمات المتوافرة ونظام الإحالة، غياب إمكان امتداد الخدمات لتغطية كل المجتمع المحلي، وغياب إدارة للحالات(.

 

نعود فنذكّر ان هذا الملف بحاجة ماسة، لانسنة المتعاطين به، على مختلف المستويات والصعد الرسمية والاممية والمدنية، بعيداً عن المنظار السياسي والذهنية الزبائنية والتنفيعات. وعلى الجميع تحمّل مسؤولياتهم، بما تمليه المعايير الدولية.

                                            

ملحقات التقرير السنوي

1- تقرير حول الانتخابات النيابية الفرعية في لبنان

أ- التقرير الاول

الاشكالية الدستورية والقانونية

اصدر مجلس الوزراء اللبناني المرسوم رقم 493 تاريخ 3/7/2007، القاضي بدعوة الهيئات الانتخابية النيابية الفرعية في دائرتي جبل لبنان الثانية (المتن) وبيروت الثانية (المصيطبة- الباشورة- الرميل)، لانتخاب نائب عن المقعد الماروني في (المتن) ونائب عن المقعد السني في بيروت الثانية. وقد حدد المرسوم موعد اجراء العملية الانتخابية نهار الاحد في 05/08/2007.

ومن الجدير ذكره ان مقعد دائرة المتن الانتخابية، قد شغر بتاريخ 21/10/2006، باغتيال النائب عنها بيار امين الجميل. ولم تجرِ دعوة الهيئات الانتخابية، ضمن المهلة الدستورية، لانتخاب بديل عنه. كما شغر مقعد دائرة بيروت الثانية، باغتيال النائب وليد عيدو بتاريخ 13/06/2007.

ويعود السبب في عدم الدعوة لملء المقعد الشاغر في المتن، الى الخلاف المستحكم بين اطراف مواقع ومؤسسات الحكم في لبنان، منذ 11/11/2006، تاريخ استقالة ست وزراء من وزارة حكومة الرئيس السنيورة، من بينهم الوزراء الشيعة الخمسة. واعتبار هذه الحكومة برأي الطرف المعارض (فاقدة لشرعيتها وميثاقيتها)، ويشاركهم في هذا الرأي رئيس الجمهورية، الذي يرى بدوره، ان هذه الحكومة في حالة (انعدام الوجود)، وبالتالي اعتبار (كل قراراتها غير دستورية وغير قانونية)، وفق ما يتبين من عديد الرسائل التي ارسلتها امانة سر رئاسة الجمهورية الى امانة سر مجلس الوزراء.

ان دعوة الهيئات الناخبة لاجراء الانتخابات الفرعية في الدائرتين المذكورتين، ظهّرت الجدل الدستوري القائم في لبنان، حول العديد من النقاط الخلافية بين فريقي النزاع اللبناني. وابرزت احد عناوين هذا الجدل الى الواجهة، في فترة عصيبة، كما هو معروف، يمر بها لبنان. اذ تتكاثر الفتاوى الدستورية، وتتنوع حسب مصلحة كل فريق.

وما يعزز من حدة الجدل الدستوري، وتباين وجهات النظر حول العديد من العناوين والقضايا اللبنانية الملحة، ويسهم بتعقيد الامور، غياب المرجعية الدستورية التي من شأنها البت باي قضية مطروحة لحسم النزاع. مما يقتضي في هذه العجالة استعراض وضع المرجعيات الدستورية، خاصة المجلس الدستوري، ومجلس النواب بصفته سلطة تشريعية، وذلك باعتبارهما اهم مؤسستين معنيتين للحسم في هذا المجال.

 

 

 

 

 

وضع المجلس الدستوري الراهن

فالمجلس الدستوري في لبنان، مع ادراكنا انه لا يملك صلاحية تفسير القوانين، قد تم تعطيله، بداية بانتهاء ولاية عضوين من اعضائه، دون ان تختار السلطة التنفيذية بديلين عنهما. هذا التأخير فسّر بانه موقف اعتراضي على اختيار المجلس النيابي، بتاريخ سابق، لثلاثة اعضاء، لا ترتاح السلطة التنفيذية لهم. وفي اعقاب الانتخابات النيابية الجديدة عام 2004، برز توجه جديد لدى السلطة التشريعية باعادة النظر بقانون المجلس الدستوري. فقد اصدر هذا المجلس القانون رقم 679 تاريخ 19/7/2005 يقضي بتأجيل النظر في المراجعات المقدمة للمجلس الدستوري، بما فيها الطعون الانتخابية، ريثما يستكمل عدد اعضائه. وبناء لطعن مقدم من تكتل (الاصلاح والتغيير) اتخذ المجلس الدستوري القرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005، قضى بـ (ابطال القانون رقم 679/2005 ابطالاً كلياً لمخالفته احكام الدستور والمبادئ الدستورية المكرسة فيه او المعتمدة ضمن الكتلة الدستورية). بعد صدور هذا القرار اعلن خمسة من اعضاء المجلس الذين انتهت ولايتهم موقفهم بالتوقف عن متابعة العمل، وذلك افساحاً منهم في المجال للسلطات المختصة وحضها على استكمال تعيين البدلاء، ورفضاً منهم من جهة اخرى الاستمرارية وفقاً لمبدأ استمرارية السلطات والمرافق العامة المكرس في المادة الرابعة من النظام الداخلي للمجلس.

وبتاريخ 12/06/2006 ادخل مجلس النواب تعديلات جديدة على قانون المجلس الدستوري، فسّرت المادة الثانية من التعديل بانها احيت ولاية جميع اعضاء المجلس، واجازت للاعضاء المنتهية ولايتهم استئناف مهامهم.

ادخل هذا التعديل المجلس الدستوري في سجال مع ذاته وبين اعضاءه، بقسميه المنتهية ولايتهم، والمتبقين منهم، وهم الروؤساء: غبريال سرياني، عفيف المقدم، مصطفى منصور، اميل بجاني وسامي يونس. اذ بادر رئيس المجلس الدستوري المنتهية ولايته الرئيس امين نصار لدعوة المجلس، ولقي طلبه الرفض من الاعضاء المتبقين. وبذلك يكون هذا المجلس قد تعطل وشلّت فاعليته كمرجع دستوري يمكن الالتجاء اليه في حال الخلافات الدستورية التي هي ضمن دائرة اختصاصه وصلاحياته.

واقع المجلس النيابي الحالي

اما المجلس النيابي بصفته سلطة تشريعية، يقع ضمن دائرة اختصاصه سن القوانين والتشريعات التي من شأنها ان تحسم الكثير من موضوعات الجدل الدستوري والقانوني، علماً بان صلاحية المجلس في تفسير القوانين موضع جدل بدورها. فانه اصيب ايضاً بحالة من الشلل والتعطيل. فهو لم يدعى خلال فترة دورة انعقاده العادية الاولى  لعام 2007، المنصوص عنها في الدستور اللبناني (م.32) والتي تبدأ من يوم الثلاثاء الذي يلي 15 اذار وتستمر حتى نهاية شهر ايار. علماً بان دورة تشرين الماضية، قد حال دون تواصلها، اعتصام المعارضة في ساحتي رياض الصلح والشهداء ابتداء من 1/12/2006، والذي ما زال متواصلاً حتى تاريخه. ويرفض كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب طلب الدعوة لفتح دورة استثنائية للمجلس النيابي، تحت عنوان (عدم شرعية وميثاقية) الطلب المقدم من مجلس الوزراء....

 

 

 

النصوص الدستورية والقانونية ذات الصلة بدعوة الهيئات الناخبة

 ان دعوة مجلس الوزراء لاجراء الانتخابات الفرعية لملء المقعدين الشاغرين في بيروت والمتن، يستدعي استعراض النصوص الدستورية والقانونية، وجوانب الالتباس والغموض فيها، واوجه التناقض بتفسيرها من قبل فريقي النزاع في لبنان.                                             

نحاول في تقريرنا هذا ان نستعرض الجوانب الدستورية والقانونية المتعلقة بهذا الموضوع.

النصوص الدستورية

نصت المادة 24 من الدستور اللبناني على ان (يتألف مجلس النواب من نواب منتخبين يكون عددهم وكيفية انتخابهم وفقاً لقوانين الانتخاب المرعية الاجراء)

وقد ادخل على نص المادة المذكورة فقرة مضافة بموجب التعديل الدستوري رقم 18 تاريخ 21/09/1990، قضت بتوزيع المقاعد النيابية بين الطوائف، الى حين وضع (قانون انتخاب خارج القيد الطائفي).

ونصت المادة 41 من الدستور اللبناني بانه (اذا خلا مقعد في المجلس يجب الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين. ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد اجل نيابة العضو القديم الذي يحل محله).

وبذلك يكون المشترع اللبناني قد كرس للمواطن اللبناني حقاً دستورياً بالاقتراع بصورة دورية لانتخاب ممثليه. وجاء قرار المجلس الدستوري رقم 2/97 تاريخ 24/07/1997، ليثبت هذا الحق، بابطال القانون رقم 655 تاريخ 24/07/1997 المتعلق بتمديد ولاية المختارين والمجالس الاختيارية،  لكون (التمديد قد عطل مبدأ دستورياً هو مبدأ دورية الانتخاب وحرم الناخب من ممارسة حق الاقتراع خلافاً للمادة 7 من الدستور).

ما يقتضي ذكره ان لبنان قد اعلن التزامه بالاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية بموجب الفترة "ب" من مقدمة الدستور. كما صادق على الاعلان العالمي، الذي كرس لكل فرد الحق في الاشتراك في ادارة الشؤون العامة لبلاده اما مباشرة واما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً (م.21). كما صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي كرس بدوره هذا الحق بموجب نصوص المادتين 22 و25 منه.

وبذلك يكون حق اختيار ممثلي المواطنين حقاً دستورياً محفوظاً بموجب نصوص الدستور اللبناني، والمواثيق الدولية التي صادق عليها لبنان، وتكرس هذا الحق بوجوب اجراء العملية الانتخابية في مواعيدها المحددة، بموجب حكم المحكمة الدستورية المنوه عنه اعلاه.

 

 

 

 

 

النصوص القانونية الواردة في قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب

صدر اخر قانون انتخابي في لبنان بتاريخ 06/01/2000، وهو القانون المعمول به حالياً. وقد جاء هذا القانون لينظم العملية الانتخابية ويوزيع الدوائر طائفياً ويحدد مدة ولاية مجلس النواب.

تضمن في مادته الاولى نصاً يحدد عدد اعضاء مجلس النواب 128 عضواً، وتكون مدة الولاية اربع سنوات. كما نصت المادة الثانية من هذا القانون على تحديد عدد المقاعد النيابية وتقسيم الدوائر الانتخابية وفقاً لجدول ارفق به. وبتاريخ 06/01/2000 اضاف المشرع اللبناني بموجب القانون رقم 171 فقرة على المادة الثانية تتضمن (بصورة استثنائية وللدورة الانتخابية التي تجري بعد نشر هذا القانون بما فيها الانتخابات الفرعية التي قد تجري خلال هذه الدورة وفي الدوائر الانتخابية التي يتعذر فيها الاقتراع على بعض الناخبين او كلهم، يحدد عدد ومواقع مراكز اقلام اقتراع خاصة، بمراسيم تصدر بناء على اقتراح وزير الداخلية....) ونصت المادة السابعة من القانون المذكور بان (تدعى الهيئات الانتخابية بمرسوم وتكون المهلة بين تاريخ نشر هذا المرسوم واجتماع الهيئات الانتخابية 30 يوماً على الاقل. وتجري الانتخابات العامة خلال 60 يوماً التي تسبق موعد انتهاء ولاية المجلس النيابي وذلك فيما خلا الحالة التي يحلّ فيها المجلس.....)، كما نصت المادة الثامنة على انه (اذا شغر احد المقاعد بسبب الوفاة او الاستقالة او لاي سبب اخر، تجري الانتخابات بالمقعد الشاغر خلال 60 يوماً ابتداء من تاريخ شغوره ويعتبر المركز شاغراً من تاريخ الوفاة...).

وبذلك يكون الدستور اللبناني قد ترك امر تنظيم قانون الانتخابات للسلطات التشريعية، فجاءت احكام هذا القانون الاخير متطابقة مع احكام الدستور.

ومنذ بداية ولاية مجلس النواب الحالي المنتخب في ربيع 2005، شغر، في مرحلة سابقة، مركز نائبين من اعضاء المجلس النبابي، وذلك بوفاة النائب الدكتور ادمون نعيم، وصدر مرسوم بدعوة الهيئات الناخبة خلال المهلة الدستورية والقانونية، وفاز النائب بيار دكاش بالتزكية لملء المقعد الشاغر. كما شغر ايضاً مركز النائب جبران تويني عن بيروت، وصدر ايضاً مرسوم بدعوة الهيئات الناخبة خلال المهلة الدستورية والقانونية، وفاز النائب غسان تويني بالتزكية لملء المقعد الشاغر.

كانت العلاقة في تلك الفترة غير متفجرة بين المعارضة والمولاة وبين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ولم يكن هناك اي اشكال بالدعوة لملء المقعدين الشاغرين.

بتاريخ 11/11/2006، وعلى اثر استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة، قاطع رئيس الجمهورية جلسات مجلس الوزراء، معتبراً هذه الحكومة غير شرعية استناداً لنص الفقرة "ي" من مقدمة الدستور، وامتنع بالتالي عن توقيع اي مرسوم يصدر عنها باعتبار هذه المراسيم صادرة واقعاً عن سلطة (تفتقر للشرعية والمشروعية الميثاقية).

انقضت المهلة الدستورية والقانونية بعد اغتيال النائب بيار الجميل بتاريخ 21/11/2006، من دون دعوة الهيئات الناخبة لملء المقعد الشاغر. وجرى تعطيل النص الدستوري بسبب الخلاف الحاد بين رئيس الجمهورية والحكومة، خاصة لجهة المرجع الصالح لاصدار مرسوم الدعوة لاجراء الانتخابات الفرعية.

ومن الجدير ذكره، انه جرى استطلاع رأي هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل، وبناء على طلب وزير العدل، لمعرفة (مدى جواز ان يتخذ مجلس الوزراء قراراً بدعوة الهيئات الناخبة الى اجراء الانتخابات الفرعية في المتن. حتى يتم تطبيق المادة 56 من الدستور على مثل هذا القرار في حال رده او عدم صدوره عن رئيس الجمهورية). وقد رأت هذه الهيئة، التي لها الصفة الاستشارية، انه لا يصح ان يتخذ مجلس الوزراء قراراً بدعوة الهيئات الناخبة لاجراء الانتخابات الفرعية في المتن، وذلك في حال عدم صدور مرسوم الدعوة من المرجع المختص. وعللت رايها استناداً لتطابق مواد الدستور مع قانون الانتخابات في هذا الخصوص. ورأت ان (مشترع قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب، قد جعل دعوة الهيئات الانتخابية، سواء لاجراء الانتخابات النيابية العامة او الانتخابات الفرعية، وكذلك تحديد عدد مراكز اقلام الاقتراع الخاصة ومواقعها "الحال المنصوص عليها بموجب النص المضاف الى المادة الثانية" رهناً بصدور مرسوم عادي بناء على اقتراح وزير الداخلية، الامر الذي يعني ان المشترع الدستوري ومن بعده مشترع قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب، قد اخرجا مسألة دعوة الهيئات الانتخابية، سواء لاجراء الانتخابات النيابية العامة او الانتخابات النيابية الفرعية كلياً، من دائرة صلاحيات السلطة الاجرائية ممثلة بمجلس الوزراء) ورأت هذه الهيئة، كما ذكرنا اعلاه، عدم صحة اتخاذ (مجلس الوزراء قراراً بدعوة الهيئات الانتخابية لاجراء الانتخابات الفرعية في المتن، في حال عدم صدور الدعوة من المرجع المختص).

ويتبين من العودة للدستور اللبناني، الذي جرى اعتماده منذ تبني وثيقة الوفاق الوطني في مؤتمر الطائف واقرار التعديلات الدستورية الصادرة بتاريخ 21/09/1991، قد نص على وجود اربعة انواع من المراسيم في الجمهورية اللبنانية وهي:

- المرسوم الموقع من رئيس الجمهورية وحده "صلاحية حصرية" مثل مرسوم تسمية رئيس الحكومة "م.53 دستور" ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة "م.53 وم.54 دستور" ......

- المرسوم الموقع من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء "صلاحية مشتركة" مثل مرسوم تسمية الوزراء الاعضاء في الحكومة، او مرسوم اصدار القوانين. "م.54 دستور".....

- المرسوم الصادر عن مجلس الوزراء بعد اتخاذ القرار في اجتماع له وفقاً للمادة 65 دستور مثل تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارئ، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.... ولرئيس الجمهورية الحق بالطلب من مجلس الوزراء اعادة النظر في هذا النوع من القرارات خلال مدة 15 يوماً من تاريخ ايداعها رئاسة الجمهورية.

- المرسوم العادي المنوط به تسيير اعمال الدولة والمؤسسات مثل مرسوم التشكيلات القضائية او العسكرية او العائدة للسلك الدبلوماسي، ويندرج في هذا الاطار الدعوة لاجراء الانتخابات الدورية او الفرعية.....

في اعقاب اغتيال النائب وليد عيدو بتاريخ 13/06/2007، حسمت الحكومة امرها سياسياً، رغم مقاطعة رئيس الجمهورية، والوزراء الشيعة، الذين لم يصدر حتى تاريخه مرسوم قبول استقالتهم، فاتخذ في  جلستها المنعقدة بتاريخ 16/06/2007، قراراً حمل رقم "1"، واحالته على رئيس الجمهورية لاخـذ توقيعـه

 

عليه. غير ان رئيس الجمهورية، عبر المديرية العامة، ابلغ الحكومة موقفه برد قرارات مجلس الوزراء المتخذة..... غير ان الحكومة في جلستها المنعقدة بتاريخ 25/06/2007، اصرت على قرارها السابق، واعتبرت المرسوم قطعياً، ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 03/07/2007، يحمل الرقم 493.

بتاريخ 06/07/2007 تقدم مواطن (متني من التيار الوطني الحر)، جوزيف اوريان، بمراجعة لدى مجلس شورى الدولة، طلب بموجبها وقف تنفيذ وابطال المرسوم رقم 493، والمفاعيل اللاحقة به، واعبتاره لاغياً لتجاوز حد السلطة، ولعدم الصلاحية، ولمخالفته في صدوره الاصول القانونية الشكلية من جوهرية المفروضة بموجب احكام الدستور لا سيما المادة 41 منه، لكونه مخالفاً لقانون الانتخاب في مادته السابعة، ولمخالفة مجلس الوزراء قرار هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، ولمخالفته مبدأ شرعية الاعمال الادارية، واستطراداً في الاساس لمخالفته المادة 41 من الدستور والمادة 8 من قانون الانتخاب تضمنه دعوة الهيئات الناخبة في جبل لبنان الدائرة الثانية.

وقد رد مجلس شورى الدولة هذه المراجعة، بموجب قراره الصادر بتاريخ 18/07/2007، معتبراً ان المجلس الدستوري هو المرجع الصالح لبت هذه المراجعة، و (ان صلاحية بت الانتخابات النيابية والاعمال الادارية التمهيدية للاجراءات الانتخابية اصبحت وفق الدستور اللبناني من صلاحية المجلس الدستوري بعد صدور قانون رقم 250 تاريخ 14 تموز 1993 المتعلق  بانشاء المجلس الدستوري).

وقد صدر هذا القرار عن غرفة الرئيس البرت سرحان، بالاكثرية، وبتعليل مستفيض استناداً الى الدستورين اللبناني والفرنسي، مع تسجيل مخالفة للرئيس، يرى فيها: (ان موضوع المراجعة يدخل ضمن صلاحية مجلس شورى الدولة بصفته المحكمة العادية للقضايا الادارية، وباعتبار ان المرسوم المطعون فيه يعتبر من الاعمال المنفصلة عن الاعمال الانتخابية، ويخرج بالتالي من صلاحية المجلس الدستوري بصفته قاضي الانتخابات النيابية).

وفي طلب وقف التنفيذ اشارت المخالفة الى انه (عملاً باحكام المادة 77 من نظام مجلس الشورى، نرى ان شرطي وقف التنفيذ المنصوص عليهما في تلك المادة متوفران في المراجعة، مما يقتضي وقف تنفيذ المرسوم المطعون فيه). نرفق ربطاً صورة قرار مجلس شورى الدولة لاهميته.

ولكون هذا القرار لم يحسم النزاع بشأن المرسوم المذكور، لرده المراجعة تحت عنوان عدم الصلاحية، واعتبارها من صلاحية المجلس الدستوري، مما عرض قرار مجلس الشورى للنقد والاعتراض، ووصف هذا المجلس بانه نأى بنفسه عن الدخول في صراع شديد الاحتدام، ومخالفاً النطرية الحديثة للفقه القائلة بتقليص نطاق نظرية العمل الحكومي في القضايا الانتخابية، ومع ذلك فان الانتخابات ستجري في موعدها، مع الجدل القائم حولها، كما يتبين من الترشيحات التي قدمت عند نهاية المهلة المحددة بتاريخ 20/07/2007. ويترتب على اجرائها عدة اشكاليات دستورية وقانونية، من بينها: مدى اعتراف رئيس مجلس النواب بنتائجها...؟ تعرض النتيجة الانتخابية للطعن امام المجلس الدستوري (المعطل)....

 

 

هذا المرسوم فتح باب الجدل الدستوري والقانوني على مصراعيه من قبل الطرفين المتنازعين. اي طرف رئيس الجمهورية والمعارضة، والطرف الاخر رئيس الحكومة والموالاة. ولكل طرف حججه وذرائعه الدستورية والقانونية، يتكئ عليها لتبرير وجهة نظره. وهذا ما سنعرضه في الفقرات اللاحقة.

حجة رئيس الجمهورية والمعارضة في لا شرعية ما يتخذه مجلس الوزراء من مراسيم وقرارات وسندهما القانوني

يتذرع رئيس الجمهورية والمعارضة بنص الفقرة "ي" من مقدمة الدستور التي ورد فيها (لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك) ويعتبر هذا الطرف ان استقالة الوزراء الشيعة، باعتبارهم يمثلون طائفة اساسية، تخل بالتركيبة الطائفية لافتقار الحكومة لعنصر رئيسي من مكونات النظام الطائفي في لبنان. ويسند هذا الطرف رايه بنص المادة 95 من الدستور التي قضت في الفقرة "أ" ولمرحلة انتقالية، بان (تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة) ويروا ان عدم وجود وزراء شيعة في الحكومة الراهنة يشكل مخالفة لنص المادة المذكورة.

ومن اللافت ان كافة اطراف النزاع في لبنان يتجاهلون مقدمة المادة 95 المذكورة  والتي ادخلت بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/09/1990، فقرة مضافة على نص المادة القديم، تضمنت (على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية). واعتبرت المادة 95 المذكورة تمثيل الطوائف، مرحلة انتقالية.

هذه الفقرة على اهميتها، وما هو معول على تنفيذها، مع ما تضمنه اتفاق الطائف من بنود اصلاحية، لاخراج الواقع اللبناني من مأزقه الطائفي، جرى التنكر لها، بقيت حبراً على ورق الدستور اللبناني، ولم تتخذ اي خطوة عملية باتجاه وضعها موضع التنفيذ، باستثناء حالة خجولة يتيمة، تمثلت باقدام الرئيس الجمهورية السابق الياس الهراوي على تقديم كتاب لمجلس النواب بهذا الخصوص، وكانت دوافع التلويح بها، الخلاف بين الروؤساء الثلاثة على تقاسم الحصص والمناصب. وقد لف غبار ارشيف المجلس هذا الكتاب. ومن البنود الاصلاحية الواردة في الدستور المعدل، تطبيق اللامركزية الادارية، وسياسة الانماء المتوازن (فقرة "ز" من مقدمة الدستور)، واستحداث مجلس شيوخ، عملاً بنص المادة 22 دستور معدل، الى جانب المجلس النيابي بصيغته اللاطائفية، تتمثل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.

في جانب اخر يتذرع رئيس الجمهورية بصلاحيات منحته اياها المادة 53 من الدستور المعدل التي تكرس حقه:

(1- يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء دون ان يشارك في التصويت.

2- .......

11- يعرض اي امر من الامور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال).

      ويتبين ان المادة 64 المعدلة قد حددت صلاحيات رئيس مجلس الوزراء واولته مهمة رئاسة (الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء) ومن جملة الصلاحيات المشتركة بينه وبين رئيس الجمهورية، فيما يتعلق بموضوعنا، فقد نصت المادة المذكورة على ما يلي:

(- يوقع مع رئيس الجمهورية جميع المراسيم ما عدا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة "بند 4".

- يدعو مجلس الوزراء الى الانعقاد ويضع جدول اعماله. ويطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث "بند 7").

حجة رئيس مجلس الوزراء وفريق الموالاة في شرعية ما يتخذه مجلس الوزراء من مراسيم وقرارات وسندهما القانوني

في مقابل ذرائع وحجج رئيس الجمهورية والمعارضة حول (شرعية او ميثاقية) مجلس الوزراء تتذرع الحكومة والفريق الموالي لها بنص الفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور المعدل، التي ورد فيها (يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقر خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر. ويكون النصاب القانوني لانعقاده اكثرية ثلثي اعضاءه ويتختذ قراراته توافقياً. فاذا تعذر ذلك فبالتصويت، ويتخذ قراراته باكثرية الحضور. اما المواضيع الاساسية فانها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحددة في مرسوم تشكيلها. ويعتبر مواضيع اساسية ما يأتي: تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارئ والغاؤها، الحرب ولاسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الاولى او ما يعادلها، اعادة النظر في التقسيم الاداري، حلّ مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الاحوال الشخصية، اقالة الوزراء).

ومن المعروف ان الحكومة استمرت في عقد جلساتها واتخاذ قرارات واصدار مراسيم، رغم مقاطعة رئيس الجمهورية لجلساتها، ورفضه التوقيع على كل ما يصدر عنها. وحجة الحكومة في شرعية ما يصدر عنها كون عدد الوزراء المتبقين في الحكومة، رغم استقالة ست وزراء، هم 24 وزيراً. وبالتالي فان هذه الحكومة تضم اكثر من ثلثي اعضاء مجلس الوزراء، قياساً على العدد المحدد في مرسوم تشكيلها، والبالغ 30 وزيراً.

ومن القرارات الهامة التي اتخذتها الحكومة، بواقعها الراهن، قرار الموافقة على نظام المحكمة الدولية ذات الطابع الخاص بـ لبنان، واحالته الحكومة الى مجلس الامن الدولي لاقراره، مؤيداً بعريضة الـ 70 نائباً من اعضاء مجلس النواب، بعد رفض رئيس الجمهورية لمشروع المحكمة المحال عليه، لكونه صادر عن حكومة يعتبرها (غير ميثاقية وغير دستورية ومنعدمة الوجود) بالاضافة لتعارض القرار مع نص المادة 52 من الدستور المعدل التي اولته (المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس

 

الحكومة. ولا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. اما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن ابرامها الا بعد موافقة مجلس النواب). ويذكر ايضاً ان رئيس مجلس النواب سبق له بدوره ورفض الاخذ بطلب بت المشروع من قبل المجلس النيابي، لكون مرسوم الاحالة لا يحمل توقيع رئيس الجمهورية، كما رفض استقبال طلب فتح دورة استثنائية لمناقشته واقراره. مما ادى الى اصدار مجلس الامن الدولي القرار رقم 1757 بتاريخ 30/05/2007، اعطى للسلطات الدستورية اللبنانية مهلة حتى 10/06/2007، لاقرار المشروع، والا اعتبر نافذاً وفق البند السابع من ميثاق الامم المتحدة. وحجة رئيس الجمهورية المضافة لحججه السابقة، ان مسألة (المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة) هي من الصلاحيات التي حفظها له الدستور اللبناني المعدل.

خاتمة

ان هذا العرض الذي قدمناه، من خلال اشكالية الانتخابات الفرعية، يظهر مدى تعقيدات المأزق اللبناني الراهن، وتوصيف معضلاته بين كونها ازمة نظام، ام اعمق وابعد من ذلك، بوصفها ازمة بنيوية، لارتباط المعضلات بالتكوين السياسي لنظام الحكم الذي قام عليه كيان هذه الدولة.

ومهما كانت الملاحظات والاعتراضات على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لاجراء انتخابات فرعية، فانه لا يمكننا الا ان نكون الى جانب ممارسة المواطن لحقه الدستوري في انتخاب ممثليه.

ومع تمسكنا بهذا الحق، نحاول ان نتلمس الاشكالية الدستورية الكبرى في النظام اللبناني، التي انعكست على نظام الحكم، بما في ذلك صياغة قانون انتخابي عادل يراعي التمثيل الصحيح للمواطنين في الاطار البرلماني الديمقراطي، ويخرجهم من واقعهم الراهن.

ان النظام اللبناني في دستوره الراهن، وحتى بعد التعديلات التي ادخلت عليه بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/09/1991، يعاني من ثنائية غريبة، تصل الى حد التناقض بين القواعد والمبادئ الدستورية التي تحكمه.

ففي حين يقر الدستور في مادته السابعة مثلاً، بان (كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية، ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم) يعود في المادة 24، لينتقص من هذه المساواة، وينص على توزيع المقاعد النيابية (بالتساوي بين المسحيين والمسلمين، ونسبياً بين الطوائف كل من الفئتين). وقد رهن الدستور اللبناني الاخذ بقاعدة التوزيع الطائفي والمذهبي الى حين وضع (مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي)، وليستحدث عندها ايضاً (مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية).

هذا الدستور في ازدواجيته، بالنص على المساواة بين المواطنين، يعطي ايضاً بموجب المادة 19 منه، المتعلقة بانشاء المجلس الدستوري (روؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً في ما يتعلق حصراً بالاحوال

 

 

الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني) حق مراقبة دستورية القوانين في المجالات المذكورة.

هذه الثنائية التي تبلغ حد التناقض، حالت دون مزاوجة السياسة والحقوق، اذ بازاء النص الدستوري، هناك ما اصطلح على تسميته باعراف جرى اعتمادها، تحت عناوين (العيش المشترك) و(التوافق) ...... وبتنا امام نصوص دستورية ونصوص ميثاقية غير مكتوبة، ترعى الاشكالية الطائفية، وتحميها، رغم اعتبارها (علّة) منذ تعديل دستور عام 1943، يقتضي التخلص منها، واعتبارها حالة استثنائية تراعى على الا تضر بالمصلحة العامة وتخالف النظام العام، (علّة) تحولت من مؤقتة الى دائمة، كما هي في واقعنا الراهن.

لقد حولتنا هذه الثنائية الغريبة الى رعايا في طوائف، بدلاً من مواطنين في نظام دولة، كما ورد على لسان رياض الصلح في بيانه الوزاري الاول. ومع ذلك اعتمدت الطائفة هي الحلقة الوسيطة بين المواطن والدولة، مما حال حتى تاريخه دون بناء دولة مبنية على قواعد الحق والعدالة، ترعى شؤون مواطنينها الذين ينتسبون لها على قاعدة المواطنية.

ولقد جاءت قوانين الانتخابات النيابية المتتابعة منذ الاستقلال وحتى اليوم، محكومة بهذه الرؤية الغريبة، لتعيد انتاج الطبقة السياسية ذاتها في مختلف المراحل، وتعيد انتاج الفتن الطائفية من حين الى آخر بسبب الصراع على السلطة من قبل الطوائف.

نعتقد ان المدخل الفعلي للاصلاح السياسي يبدأ بقانون انتخاب عادل وسليم يقارب النصوص الواردة في الدستور اللبناني، انطلاقاً من نص المادة 95 التي قضت بتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، والتي اهمل تطبيقها حتى تاريخه، وننتهز مناسبة اعداد هذا التقرير لننوه بالمشروع الذي اعدته (الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات) والمقدم لمجلس الوزراء في نهاية شهر ايار عام 2006.

اذ ان هذا المشروع قد اخذ بالنظام المركب وزاوج بين النظامين الاكثري والنسبي، وخفض سن الاقتراع الى 18 سنة، وحفظ للمرأة حقها بالمشاركة في الحياة السياسية من خلال "الكوتا" النسائية، ولو في قوائم الترشيح، وممارسة حق الاقتراع في محل الاقامة.... والاهم من كل ذلك اقتراح نصوص تعالج العملية الانتخابية من كافة جوانبها آخذة باحدث ما توصلت اليه النظريات الانتخابية الحديثة في المجتمعات الديمقراطية، دون ان يغفل اهمية تشكيل هيئة وطنية مستقلة دائمة للانتخابات النيابية، كمرجع صالح لادارة العملية الانتخابية واجرائها، وتطوير النظم الانتخابية.....

 

 

 

 

 

 

2- تقرير حول الانتخابات الفرعية في لبنان

التقرير الثاني

     (ان الانتخابات النيابية الفرعية في بيروت والمتن يجب ان تجرى بروح التوافق بالأولوية ووفق القواعد الموضوعة لها في الدستور اللبناني والقوانين المرعية والتقاليد المألوفة، ولكن ما نسمعه ونراه يبدو لنا انه ينأى بها عما يجب ان تكون عليه من منافسة ديموقراطية راقية من دون ان يشوبها ما نراه من تراشق لا يليق بأناس على جانب كبير من الرقي والرصانة. ومعلوم ان هذا الجو المحموم قد ينعكس سلبا على المواطنين)

     مقطع من بيان مجلس المطارنة الموارنة في اعقاب اجتماعه الشهري. بداية شهر آب 2007.

بتاريخ الاول من آب 2007، وقبل ايام معدودة من موعد اجراء الانتخابات الفرعية في دائرتي المتن وبيروت، المحدد بتاريخ 5 آب، بدأت تتوضح الصورة بان هذه الانتخابات ستجري في موعدها، الا اذا حصلت مفاجآت غير متوقعة...؟!

فقد تعثرت المساعي التي كانت تبذلها البطريركية المارونية، وبمشاركة عدد من الفعاليات اللبنانية، للتوافق على مرشح تزكية في دائرة المتن، او تأجيل الانتخابات لموعد آخر. واعلن مجلس المطارنة الموارنة موقفه من هذه الانتخابات بعبارات، تحمل الكثير من الدلالات والمعاني، وتظهر روحية استياءه من الاجواء المحمومة التي واكبت التحضير لها، خـاصة في دائـرة المتن، وتذكـّر بوجوب

مراعاة ثوابت الكنيسة المارونية مهيبة بالاطراف المتصارعة ضرورة (ان تجرى بروح التوافق بالأولوية ووفق القواعد الموضوعة لها في الدستور اللبناني والقوانين المرعية والتقاليد المألوفة).

وتزامن هذا الموقف بقرار جديد لمجلس شورى الدولة، صادر بالاكثرية عن غرفة الرئيس الدكتور غالب غانم، ومخالفة الرئيس البرت سرحال، قضى برد المراجعة التي تقدم بها المرشح في دائرة المتن الدكتور كميل خوري، طالباً ابطال المرسوم رقم 493 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 03/07/2007، والقاضي بدعوة الهيئات الناخبة في دائرتي المتن وبيروت الثانية لملء المقعدين الشاغرين فيهما بتاريخ 05/08/2007، بذريعة ان المرسوم لا يحمل توقيع رئيس الجمهورية عملاً بالصلاحيات الدستورية الممنوحة له، بالاضافة لذرائع اخرى، من بينها توجيه الدعوة بعد مرور المهلة الدستورية والقانونية المحددة بمدة شهرين.... وقد قضى قرار مجلس الشورى الجديد برد المراجعة لعدم الصلاحية، لاعتباره ذلك من اختصاص المجلس الدستوري، لكونه قاضي الانتخابات.... وقد جاء هذا القرار معللاً تعليلاً وافياً، يتضمن دراسة مقارنة بين النصوص الدستورية والقانونية الفرنسية من جهة واللبنانية من جهة اخرى، بالاضافة لموقف الاجتهاد والفقه في كلا النظامين القضائيين. وكان قد سبق لمجلس الشورى ان اصدر قراراً بذات الموضوع بتاريخ 06/07/2007، ورد مراجعة الطعن المقدمة من المواطن (طوني اوريان) لعلة عدم صلاحية المجلس للنظر بها.

ومع اننا بتنا على موعد لاجراء الانتخابات الفرعية في 05/08/2007، الا ان الجدل ما زال محتدماً في جانبه الدستوري والقانوني، حول المرجعية الصالحة للبت بمرسوم دعوة الهيئات الناخبة، خاصة وان المرجعية الدستورية المتمثلة بالمجلس الدستوري معطلة كما هو معروف، وكما اوضحنا في تقريرنا الاول الصادر بتاريخ 21/07/2007، وما زالت الفتاوى الدستورية تتناسخ وتتوالد في لبنان حول هذه القضية، ومختلف القضايا الاخرى، وذلك بفعل تداخل الجوانب السياسية مع الجانب القانوني والدستوري، وطغيان الجانب السياسي على الجانب القانوني، بتأثير النزاع المستحكم بين اطراف الطبقة السياسية في لبنان. ومن الثابت، وقبل اجراء هذه الانتخابات، ان المجلس الدستوري المعطل، هو على موعد مع مراجعتي طعن بنتائج الانتخابات المحدد موعدها.

صورة الحالة الانتخابية

بتاريخ 25/07/2007 انتهت مهلة سحب الترشيحات في الدائريتن الانتخابيتين. وقد اعلن في دائرة المتن ترشيحه كل من الرئيس امين الجميل، احد ابرز رموز 14 آذار، والدكتور كميل خوري، وهو مرشح التيار العوني، بالاضافة لمرشح آخر هو جوزيف الاسمر. وكان قد شغر هذا المركز باغتيال النائب والوزير بيار الجميل بتاريخ 21/11/2006.

اما في بيروت الثانية فقد رشح تيار المستقبل محمد امين عيتاني، ورشحت حركة الشعب (نجاح واكيم) ابراهيم الحلبي، بالاضافة للمرشحين: محمد رشيد محمد خير قردوحي، زهير ابراهيم الخطيب، ماهر محمد ابو الخدود، وصالح محمد فروخ. واعلن ثلاثة مرشحين انسحابهم وهم: السيدة نبيلة صعب فتح الله، ورفيق كامل قاسم ولقمان الكردي. وقد شغر هذا المركز بدوره باغتيال النائب وليد عيدو بتاريخ 16/06/2007.

التحالفات الانتخابية في دائرة بيروت الثانية بتبني ترشيح محمد امين عيتاني ضمت الى جانب تيار المستقبل وقوى 14 آذار، وتبنى هذا الترشيح ايضاً النائب السابق تمام سلام، والجماعة الاسلامية.... اما ابراهيم الحلبي، مرشح حركة الشعب، فقد اعلن تبني ترشيحه التيار العوني، وعدد من احزاب المعارضة، بينما حزب الله وحركة امل قد اعلنا مقاطعتهما، طعناً بمرسوم الدعوة لكونه لا يحمل توقيع رئيس الجمهورية. ويظهر ان المعركة في الدائرة المذكورة ستبقى محصورة بين هذين المرشحين.

اما التحالفات في دائرة المتن فقد اخذت منحىً اخر، اذ تم تجيش قوى 14 آذار الى جانب الرئيس امين الجميل، ويخوض التيار العوني بمرشحه كميل خوري المعركة متحالفاً مع الثقل الانتخابي للنائب ميشال المر، وكتلة نواب الارمن، بالاضافة لكافة قوى 8 آذار، من بينهم حزب الله والحزب القومي السوري، وعدد من التجمعات المسيحية من بينهم: قدامى (نمور الاحرار) وحزب الوعد (جماعة ايلي حبيقة).....

ان المعركة في المتن قد اخذت طابعها الشخصاني بين الرئيس امين الجميل والعماد ميشال عون. وقد استحضر كل منهما تاريخية الصراع بينهما على الزعامة المسيحية ماضياً

 

 

وحاضراً ومستقبلاً واخذت السجالات الاعلامية طابع الحدة والضراوة، ولدرجة انه جرى توظيف الدم واستثماره، وبلغ التخاطب درجة حدود عدم اللياقة، مما دفع مجلس المطارنة لان يعرب عن شكواه في معرض بيانه....

ويتوقع المراقبون ان يكون لنتائج المعركة الانتخابية في الدائرة المذكورة اثرها على استحقاقات قادمة، ابرزها استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية في تشرين الثاني القادم.

حتى الان بقيت هذه الاجواء المحمومة تحت السيطرة، رغم حالات الشحن والتعبئة، خاصة في دائرة المتن، التي يراها المراقبون وكأنها (ام المعارك) وجلّ ما امكن تسجيله حتى الان عدد محدود من الخروقات الامنية، الناجمة عن المشاحنات الانتخابية، من بينها التعرض لموكب التيار ا