|
حالة حقوق
الانسان في لبنان
تقرير
الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان
عن حالة
حقوق الانسان في لبنان
عام 2007
اعداد
المحامي نعمة جمعة
تمهيد
يأتي هذا التقرير،
ليعبر عن استئناف الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان، اصدار تقاريرها الدورية
السنوية، سيما بعد ان سبق لها واصدرت تقريرها لعام 2006، وتناول مختلف جوانب اوضاع
حقوق الانسان في لبنان. هذه الاوضاع التي ازدادت تردياً، حتى وصلت الامور، وبكل
اسف، الى حد المأزق المهدد لمصير ومستقبل هذا البلد، بعد ان تعطلت فيه المؤسسات
الدستورية، بفعل الانقسام الحاد الحاصل داخل الطبقة السياسية، والمتخذ في جوانب
بارزة منه الطابع الطائفي والمذهبي.
يغطي التقرير
الفترة الزمنية الممتدة من بداية عام 2007 حتى شهر نيسان الحالي لعام 2008، دون ان
يتطرق لجوانب مهمة وردت في تقرير عام 2006، لنحيل عليها، تجنباً للتكرار. ويكاد
يقتصر على تطور الاحداث الرئيسية التي يمر بها، لارتباطها ببعضها البعض في السياق
التاريخي العام.
ويأتي هذا التقرير
في وقت عصيب يمر به لبنان، اذ ان مشهده الداخلي غير المستقر بفعل الاحداث المتعاقبة
والمتتالية على ارضه في السنوات الاخيرة، وتداخلها مع ما تشهده المنطقة العربية
والاقليمية من مخاض، تتشابك بدورها مع الواقع الداخلي اللبناني، وتتزامن مع تدخلات
دولية في شؤونه، في الجانب الاخر، مع ما لهذا التدخل من اعتراضات، على قرارات دولية
يتخذها مجلس الامن الدولي، والذي يعاني من اختلال في المعادلة الدولية، بحكم
الهيمنة الامريكية وتفردها بشؤون العالم، مما ينعكس سلباً على مفعول هذه القرارات
والموقف منها، لكونها تعكس غالباً الرؤية الاحادية المميزة لمصلحة فريق، في وقت
يسود فيه منطق ازدواجية المعايير. هذا الوضع يجعل المنطقة بكاملها مفتوحة على مختلف
الاحتمالات، خاصة السلبية منها، ويجعل من لبنان وبنيه ساحة تجاذب لتبادل الرسائل،
اذا لم نقل لحسم الصراعات ولو على حسابه، ليغدو وكأنه بؤرة متفجرة، قابلة للاشتعال
في اي لحظة، تهدد امنه وسلامه، وينعكس ذلك على امن وسلام المنطقة بكاملها، اذا لم
نقل العالم اجمع، بحكم واقعه الراهن "المدوّل" بشكل عسكري وامنيّ وقضائي....
ويأتي هذا التقرير
كذلك، في فترة تراجع مسار حقوق الانسان، بفعل تداعيات الحرب على الارهاب، واذكاء
مقولة صراع الحضارات، وتفشي ظاهرة انتشار الاصولية، واستشراء حالة النزاعات العرقية
والطائفية، ما ادى لتغليب الاعتبارات الامنية على الالتزام بمواثيق حقوق الانسان
دولياً، فتتسبب هذه الصراعات بمختلف اشكال التدخل الدولية منها، المشرّعة من قبل
مجلس الامن، او الحاصلة بارادة منفردة تحت ذريعة تصدير الديمقراطية، ومكافحة بؤر
الارهاب. هذه التدخلات ادت الى ردات فعل عكسية، اسهمت باعاقة مسيرة الاصلاح للخروج
من شرنقة التخلف، وألهبت صراعات اثنية وطائفية ومذهبية، لم يكن لبنان بمنأى عنها
بحكم تركيبته الطائفية المعروفة، وما شهده من انقسام سياسي حاد، شغل وما زال حقبة
السنوات الماضية بكاملها، وشكل امتداداً للصراع الذي استشرى في اعقاب التمديد لرئيس
الجمهورية صيف 2004، وتزامن ذلك مع صدور قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559، وما تلى
هذا الواقع من احداث مريرة شهدتها الساحة اللبنانية.... هذا من دون ان يفوتنا
التذكير بحرب تموز العدوانية، التي شنتها اسرائيل عليه، وآثارها المدمرة على بنيته
الاقتصادية والاجتماعية، بحيث فاقم العدوان من ازماته السياسية.
واذا كان التقرير
لم يتحدث عن ايجابيات شهدتها اوضاع حقوق الانسان في لبنان، فذلك مرده الى حالة
الشلل التي انتابت المؤسسات الدستورية فيه، بفعل الانقسام الحاصل، وتتالي احداثه
الامنية وارتداداتها على اوضاعه.
واننا نأمل ان
يكون هذا التقرير، المبني على رصد مسيرة حقوق الانسان في لبنان، قد عكس صورة الواقع
اللبناني بمصداقية وامانة، وكلنا رجاء ان يخرج هذا الوطن العزيز معافى من محنته،
ليبقى مشعلاً مضيئاً لدروب الحرية في محيطه، وحاملاً لنهج بنيه المخلصين الذين
يتوقون لمناخات الامن والسلام للعيش بكرامتهم الانسانية.
نظرة خلفية
عامة
لمضمون
التقرير وأفقه
تستأنف الجمعية
اللبنانية لحقوق الانسان، اصدار تقريرها السنوي عن حالة حقوق الانسان في لبنان خلال
فترة عام 2007، انطلاقاً من منهجيتها التي اعتادت عليها في العمل، برصد ابرز
الاحداث والظواهر والاشكاليات، التي عاقت وتعوق تعزيز مسيرة حقوق الانسان في لبنان،
خاصة تلك الناجمة عن حالة الانقسام الداخلي الحاد، وانعكاسه على كافة مؤسسات الدولة
والمجتمع، وكذلك استمرار الاعتداءات الاسرائيلية عليه، وتفشي بؤر الارهاب فيه، مما
تسبب بحرب مخيم البارد الدموية، فضلاً عن استمرار مطالبة ابنائه باجراء خطوات
اصلاحية، بمعايير مستوحاة من مفاهيم حقوق الانسان والنصوص التشريعية، والنقد الموجه
لمحاولات التطبيق غير الجادة من قبل الطبقة السياسية.
يرصد هذا التقرير
حالة حقوق الانسان في لبنان من خلال متابعة ومعايشة اوضاعه الصعبة، من دون ان يشمل
التطورات على الصعيد القانوني، اذ ان لبنان لم يصدر فيه اي تشريع جديد، نتيجة عدم
انعقاد مجلس النواب، لاي جلسة من جلساته، منذ خريف عام 2006، يضاف الى ذلك خلوّ سدة
رئاسة الجمهورية منذ تاريخ 24/11/2007، وتصدي مجلس الامن الدولي لاقرار نظام
المحكمة الخاصة بلبنان، لمحاكمة قتلة الرئيس الحريري ورفاقه، ومرتكبي الجرائم
الارهابية المترافقة معها.
ويعرض التقرير في
قسم منه التطورات المتعلقة باحترام الحقوق الاساسية، ومدى استجابة لبنان لتعزيز
ثقافة حقوق الانسان، وتعزيز ثقافة العاملين لديه، بتعاونهم مع مكاتب الامم المتحدة،
والخطوة الايجابية التي اقدمت عليها الحكومة مؤخراً بالسماح للجنة الدولية للصليب
الاحمر بزيارة السجون العسكرية وتفقد اوضاع المحتجزين فيها.
ويلحظ التقرير
تفاقم معدلات انتهاك الحقوق الاساسية على نحو خطير، نتيجة للجرائم المستمرة الناجمة
عن تواصل مسلسل الاغتيالات والعمليات الارهابية، التي استدعت مزيداً من القرارات
الدولية، واستمرار الصراعات الداخلية، وما تسببت به من سقوط ضحايا.
بالاضافة لتواصل
انتهاك الحق بالحياة بالتسبب بمقتل مواطنين ابرياء، او التسبب بجرح بعضهم جراء
الخلاف السياسي الحاصل في لبنان. فضلاً عن استمرار مسلسل الارهاب الذي كان آخر
ضحاياه النائب وليد عيدو في 13/06/2007، والنائب انطوان غانم في 19/09/2007،
واللواء فرنسوا الحاج بتاريخ 12/12/2007، والنقيب وسام عيد بتاريخ 25/01/2008.
ويلحظ التقرير
استمرار انتهاك الحق في الحرية والامان الشخصي، بمعدلات ملحوظة بتوقيف من يشتبه بهم
انهم اصوليون اسلامييون، او ينتمون الى قوى معارضة للحكومة الحالية، تحت عنوان
مصادرة اسلحة بحوزتهم، وتوقيفهم لفترات طويلة تمهيداً لاحالتهم الى القضاء العسكري
ذا الطبيعة الاستثنائية، بدلاً من احالتهم لمقاضاتهم امام القضاء الطبيعي.
ويلحظ التقرير
استمرار حالة التردي في السجون رغم بعض التحسين الجزئي، الذي ادخل عليها، ومراكز
احتجاز الاجانب لدى الامن العام، حيث يعاني المحتجزون من سوء المعاملة وعقوبات غير
قانونية.
ويندرج في هذا
السياق الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين، بحيث يحرمون منها،
خاصة الحق بالعمل والحق بالتملك. وكذلك الحقوق المحفوظة للاجانب الذين يلجؤون الى
لبنان. وحقوق العمالة الاجنبية.
رغم كل هذه
العثرات والعوائق، يتميز المجتمع اللبناني بحيويته، وبطاقات ابنائه الخلاقة، وتوقهم
نحو آفاق التقدم. وان مسيرة الاصلاح والتغيير تتوفر لها ارضية خصبة ناجمة عن مساحة
الحرية، التي ينعم بها هذا البلد، وبالامكان سبر غورها، اذا قدر لابنائه تطوير
نظامه السياسي باتجاهات ديمقراطية مبنية على معايير المساواة والكفاءة، بديلاً عن
الاعتبارات الطائفية والمذهبية والعلاقات الزبائنية المفسدة للحياة العامة.
الاشكالية
الدستورية في لبنان
اجتمع
النواب اللبنانيون في باحة مجلس النواب في 25/09/2007، بناء لدعوة السيد نبيه بري،
ولم تعقد جلسة انتخاب الرئيس العتيد، رغم ان هذا التاريخ هو بدء المهلة الدستورية
لاختياره. وارجئ الموعد لعقد جلسة في 23/10/2007، بعد مداخلات خارجية، عربية
ودولية، سبقت تاريخ الدعوة الاولى، واتفق فيها على حضور النواب للمجلس، بدون عقد
جلسة، على امل حصول توافق على مرشج يقبل به فريقا النزاع في لبنان. وكان من اللافت
مشاركة 68 نائباً من تجمع قوى الاكثرية، من بينهم من له اعتراض على نصاب انعقاد
الجلسة، بالاضافة لمشاركة اربع نواب من كتلة الرئيس بري وعدد محدود من قوى المعارضة
تمثل كتلة
التنمية
والتحرير، وثلاث نواب من تجمع الانقاذ والتغيير (كتلة العماد عون)، ومن المعلوم ان
عدد اعضاء المجلس الحالي 127 نائباً بعد ان استشهد النائب انطوان غانم.
برر
البعض مشاركتهم في الاجتماع بأنه تلبية لطلب البطريرك صفير الذي وجد في عدم
المشاركة في جلسات المجلس (مقاطعة للوطن)، وبهدف ادخال تنويع سياسي على تجمع نواب
الاكثرية.
ومن
المعروف ان مسألة انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان هي واحدة من المسائل الشائكة
والمعقدة التي تتوقف على عتبتها الجهود الداخلية لتحول دون تذليلها، عدا التدخلات
الاقليمية والدولية، وجملة القرارات الصادرة عن مجلس الامن ابتداء من القرار 1559
الصادر في اوائل آب 2004، عشية التمديد للرئيس اميل لحود، وترافق ذلك مع مسألة
السياق العام للتداعيات المأساوية اللبنانية في السنوات الثلاث الاخيرة، التي تمثلت
بمسلسل التفجيرات والاغتيالات لقادة سياسيين ومفكرين واعلاميين، من بينهم اربع
اعضاء نواب، وبالانقسام الحاد بين الافرقاء السياسيين الذي واكب هذه الحالة وسواها،
وكاد في اكثر من محطة ان يتسبب بحصول فتنة داخلية. هذا دون ان يفوتنا التذكير بما
تعرض له هذا البلد، خلال ذات الفترة من احداث لا تقل جسامة عن مثيلاتها، مثل حرب
تموز العدوانية على لبنان، وبعد جلسات الحوار والتشاور بين اللبنانيين، والاعتصام
الذي ابتدأ في 01/12/2006 من قبل المعارضة وما زال مفتوحاً في ساحتي رياض الصلح
والشهداء، وما سبقه من استقالة ستة وزراء في 11/11/2006 بينهم الوزراء الخمس
الشيعة، لم يصدر قرار قبول استقالتهم، ناهيك عن الجدل الدستوري الذي بلغ في احيان
كثيرة حدود التجاوز، وخرج عن موضوعيته، وبات تفسير الدستور يخضع لحسابات سياسية من
قبل هذا الفريق او ذاك....، مما دفع غسان التويني ان يصف الجدل الحاصل بـ(عصفورية
دستورية)، وكان قد سبق للرئيس حسين الحسيني، وهو (اب الطائف)، بتقييمه انه (جدل
عقيم).
هذه الاوضاع
المعقدة والملتبسة، جعلت جملة مواقع المؤسسات الدستورية موضع خلاف وجدل بين طرفي
الاغلبية (قوى 14 آذار) والمعارضة ممثلة برموزها الفاعلة (حزب الله - حركة امل -
تكتل التغيير والاصلاح)، وبشكل طالت فيه موقع رئاسة الجمهورية، موقع مجلس النواب
ورئاسته بشكل خاص، وجميعها معرضة للطعن بشرعيتها بعناوين ومعايير مختلفة ناجمة عن
مجمل المأزق العام، وعن التأويلات والتفسيرات المتناقضة للنصوص الدستورية، وفي ظل
تعطيل المؤسسة الدستورية التي يكون من صلاحياتها اعطاء الجواب للنقاط الخلافية.
ولعل ادلّ
ما يظهر عمق المأزق وتفسيراته بعموميته، التفسيرات التي اعطيت لاجتماع النواب في
25/09/2007. فقد بقي رئيس المجلس في مكتبة بانتظار اكتمال ثلثي اعضاء المجلس لترأس
الجلسة، ليعلن تالياً امينة العام التأجيل بدون المناداة على النواب الحاضرين
وتعدادهم، او تنظيم محضر بعقد جلسة، واعلن مساء الناطق الاعلامي للمجلس ان الجلسة
لم تعقد بسبب عدم اكتمال النصاب، بحيث وصف هذا التصريح بانه مخالف لما هو متفق
عليه، فأعلن نائب رئيس المجلس الاستاذ فريد مكاري، ان الجلسة قد عقدت، وتعتبر
الاولى والمقدمة للجلسة اللاحقة التي يرى بامكانية التئامها بنصف اعضاء مجلس النواب
زائداً واحداً، بدلاً من الثلثين، ووفق تفسيره للدستور. وايّده في ذلك كل من
الاساتذة النائب وليد جنبلاط (رئيس التكتل الديمقراطي) وسمير جعجع (رئيس حزب القوات
اللبنانية) وعدد آخر من نواب قوى الاكثرية.
بقيت
اشكالية انتخاب رئيس للجمهورية معضلة لبنانية، حيث انتهت مدة ولاية الرئيس لحود في
24/11/2007، ومواعيد جلسات الانتخاب تتوالى، لتؤّجل لموعد لاحق، حيث شارف لبنان على
التأجيل العاشر لموعد حدد في 22/04/2008. وهذه الاشكالية تجعلنا نقول انها تواصلت
نتيجة الانقسام الحاد في الطبقة السياسية، ومترست كل فريق عند مطالبه، بحيث اذا
قارب الحل عقدة من العقد، يستولد عقد جديدة. هذا الوضع غيّب الارادة والقرار
اللبناني لمصلحة التدخلات الاجنبية، التي ترجمت بالعديد من المبادرات العربية
والاوروبية، كان اخرها مبادرة الجامعة العربية، التي ما زالت تتخبط في تعثرها...
مع تقديرنا
ان المعضلة اللبنانية هي سياسية بامتياز، وليست دستورية، رغم ان الدستور اللبناني
حمّال اوجه، الا انه لا بد من استعراض النصوص الدستورية التي ترعى انتخاب رئيس
الجمهورية، والارضية السياسية التي ستولد هذا الرئيس العتيد.
الاطار الدستوري
اولاً: في النصوص الدستورية
مع ان
المادة 49 من الدستور اللبناني قد حددت آلية انتخاب رئيس الجمهورية، غير ان ما اثير
حول حجم النصاب المطلوب في جلسة الانتخاب، وما ترافق معها من الاستشهاد بنصوص اخرى
دستورية، تتعلق باقتراع النواب على تشريعات متفرقة لربطها، بمجمل اشكالية اختيار
الرئيس، مضافاً لذلك الجدلية التي اثيرت حول مدى ترأس نائب مجلس النواب الجلسات…..
1-
في النصوص الدستورية
ادخلت على
الدستور اللبناني مقدمة تنفيذاً لوثيقة الوفاق الوطني بموجب القانون الدستوري رقم
18، 21/9/1990.
حيث ورد
فيها: "لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي
طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق
والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز او تفضيل" (ف. ج)، "الشعب مصدر السلطات
وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية" (ف.د)، "النظام قائم على مبدأ الفصل
بين السلطات وتوازنها وتعاونها" (ف.هـ)، "الغاء الطائفية السياسية هدف وطني اساسي
يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية" (ف.ح)، "لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق
العيش المشترك" (ف.ي).
ويبدو من
خلال هذه المقدمة الدستورية مدى الالتباس في الاتجاه العام للمشرّع اللبناني، اذ
أبقى ضمناً على التمايز بين المواطنين، وولوج باب المساواة، فيما بينهم استناداً
للفقرة (ي)، وخلافاً مع ما ورد في الفقرة (ج)، مع انه كرّس مبدأ الغاء الطائفية
السياسية بموجب الفقرة (ح)، ادراكاً منه انها تشكل علة هذا الوطن المزمنة، هذا
الالتباس، اذا لم نقل التناقض في النصوص، ابقى نسب التذرع بالنص بالعيش المشترك
ذريعة يتلطى وراءها كل ذي مصلحة، ويعلن تمسكه بها مظهراً غير ما يضمر. كما ان
المادة 19 من الدستور اعطت "الى رؤوساء الطوائف المعترف بها قانوناً في ما يتعلق
حصراً بالاحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم
الديني"، حق مراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين، يضاف
لذلك العرف المطبق في لبنان بحصر الرئاسات الثلاث بطوائف معينة، وتقسيم النيابات
والوزارات مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
ان تداخل
هذه المبادئ بالحياة السياسية اللبنانية، واعتبارها معايير ثابتة بحكم دستوريتها،
كان لها تأثيراتها على مجمل الحركة السياسية وتطلعات المواطنين بالانتماء لوطن
ودولة، بديلاً عن اي انتماء طائفي او مذهبي او فئوي، قد ادى ليس فقط لتجميد حركة
المجتمع في بنيته وتركيبته عند نقطة معينة، بل تعداها الى تكريس الحالة الشاذة
والاستثنائية، وتجاوزت الانقسامات الحالة الطائفية الى الاطر المذهبية، مما ادى
لاتساع دائرة نطاق التدخل الخارجي من هذه الدولة او تلك، مما فاقم من عمق الشرخ
اللبناني، الذي نشهد ترجماته في انتخابات رئاسة الجمهورية.
وفي جانب
النصوص تطالعنا بداية المادة 49 من الدستور، اذ نصت في فقرتها الاولى على ان (رئيس
الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على
استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه وفقاً لاحكام الدستور. يرئس المجلس الاعلى
للدفاع، وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء) واعتبرت
هذه الفقرة تشكل تعويضاً لرئيس الجمهورية، عما فقده من صلاحيات كانت معطاة له قبل
تعديل 1990.
وتناولت
الفقرة الثانية آلية انتخابه، اذ ورد فيها: (ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري
وبغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى، ويكتفي بالغالبية المطلقة في
دورات الاقتراع التي تلي. وتدوم رئاسته ست سنوات ولا تجوز اعادة انتخابه الا بعد ست
سنوات لانتهاء ولايته. ولا يجوز انتخاب احد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً على
الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لاهلية الترشيح).
اما الفقرة
الثالثة فانها تتعلق بانتخاب القضاة وموظفي الفئة الاولى، وما يعادلها اذ نصت بانه
(كما لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئية الاولى، وما يعادلها في جميع الادارات
العامة والمؤسسات العامة وسائر الاشخاص المعنويين في القانون العام مدة قيامهم
بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعلياً عن وظيفتهم
او تاريخ احالتهم على التقاعد).
يتبين ان
المادة 73 من الدستور، قد حددت المهلة الدستورية للمجلس النيابي لانتخاب الرئيس،
قبل نهاية ولايته، ونصت (قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية لمدة شهر على الاقل
او شهرين على الاكثر، يلتئم المجلس بناءً على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد.
واذا لم يدعى المجلس لهذا الغرض، فانه يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق اجل
انتهاء ولاية الرئيس).
كما نصت
المادة 74 (اذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس او استقالته او سبب اخر، فلأجل
انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون...).
واعتبرت
المادة 75 (ان المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية، يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة
اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة او اي عمل
اخر).
وقد احتاطت
المادة 62 لمسألة خلو سدة الرئاسة ونصت (في حال خلو سدة الرئاسة لاي علة كانت، تناط
صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء).
في ظل
مناخات امنية وسياسية متوترة، طرحت مشكلة انتخاب رئيس للجمهورية، وتعددت التفسيرات
السياسية للنصوص الدستورية، وشغل تطبيق المادة 49 من الدستور، الوسط السياسي ووسائل
الاعلام في لبنان على امتداد الفترة الزمنية الماضية، وامتد ذلك الى خارج لبنان،
ليشغل تطبيق المادة المذكورة المهتمين بأوضاعه؟.
والسبب
الظاهر هو ان المادة 49 لا تتعرض صراحة الى موضوع النصاب، اي الى الحد الادنى من
اعضاء مجلس النواب الواجب حضورهم، لكي يتمكن المجلس من الانعقاد بصورة صحيحة،
والتداول واتخاذ القرارات، بل تكتفي بتحديد كيفية الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية،
فتشترط ان يتم ذلك بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى، على ان يكتفى
بالغالبية المطلقة "اي اكثر من النصف"، في دورة الاقتراع التي تلي. هذا في حين ان
ثمة مادة اخرى في الدستور، هي المادة 34 تتعلق بالنصاب وتنص على ان اجتماع مجلس
النواب لا يكون قانونياً، ما لم تحضره الاكثرية من الاعضاء الذين يؤلّفونه. ويستبعد
الدكتور ادمون رباط كلياً تطبيق المادة 34، لانها مرتبطة بقيام المجلس بوظيفته
التشريعية، في حين ان المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية، يعتبر هيئة انتخابية
عملاً بالمادة 75 من الدستور، وليس هيئة اشتراعية. وينطلق دكتور رباط من اعتبارات
المنطق السليم والمصلحة الوطنية، للاخذ بنصاب الثلثين لا بالنصاب العادي، او
الاغلبية البسيطة. ويلتقي القاضي عبدو عويدات مع الدكتور رباط في هذا الرأي، عند
تحليله للمادة 49، باعتبار ان القصد من فرض غالبية كبيرة في انتخاب الرئيس، هو
تقوية موقفه وتدعيم سلطته، ليستطيع القيام بمهامه الخطيرة، وهو ممثل الغالبية من
الشعب. وقد اخذ ايضاً بهذا الرأي النائب الحالي، والوزير والقاضي السابق بهيج
طبارة، والمحسوب على كتلة المستقبل، في دراسة اعدها بهذا الخصوص تحت عنوان (نصاب
الثلثين قراءة هادئة لنص المادة 49). ويرى في مسألة نصاب الثلثين (ان التفسير
المنطقي السليم للمادة 49، يقضي بالقول انه لا يعقل ان يكون الدستور قد اشترط حصول
المرشح للرئاسة في الدورة الاولى على اكثرية الثلثين وان يكون، في الوقت ذاته، قد
ارتضى ان يتم ذلك في جلسة، يكتفى فيها بحضور نصف النواب زائد واحد. وان هذا
التفسير، ينطبق على ما استقر عليه التعامل منذ اكثر من نصف قرن في مختلف العهود،
وفي كل المجالس النيابية التي تعاقبت منذ فجر الاستقلال. تضاف الى ذلك مقتضيات
المصلحة الوطنية بأن يجسّد رئيس الجمهورية وهو، بحسب المادة 49 ذاتها، "رمز وحدة
الوطن"، ارادة اغلبية محترمة من ممثلي الشعب. وهذا بالتحديد ما قصده الدستور عندما
اشترط بأن لا تقل الغالبية التي يجب ان يحصل عليها الرئيس بعد الدورة الاولى، عن
الغالبية المطلقة من مجلس النواب، وذلك مهما تكررت الدورات، ومهما اقتضى الامر من
وقت. ومتى سلّمنا بأن المادة 49، تفترض حضور ثلثي عدد الاحياء من النواب، فانه لا
يمكن الانتقال الى الدورة الثانية من عملية الانتخاب، ما لم يكتمل نصاب الدورة
الاولى. ذلك ان مجلس النواب لا يعتبر ملتئماً الا اذا توفر النصاب الملحوظ للجلسة.
وان نظام المجلس الداخلي صريح لا يترك مجالاً للشك، عندما تنص المادة 55 منه على
انه "لا تفتح جلسة المجلس الا بحضور الاغلبية من عدد اعضائه، ولا يجوز التصويت الا
عند توفر النصاب في قاعة الاجتماع")
ويذهب خلاف
هذا الرأي كل من الدكتور انطوان بارود والاستاذ أنور الخطيب.
ها قد مضى
اشهر عدة، على الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية، وبقي الامر معلقاً، مما يدفعنا في ظل
مختلف الاوضاع السائدة على الساحة اللبنانية، بأشكالها وتعبيراتها المتشّنجة، مما
يدفعنا للتساؤل: هل نحن بصدد أزمة دستورية، ام بصدد أزمة نظام سياسي؟ هذا ما سنحاول
تلّمسه في الفقرة اللاحقة.
هل
الازمة دستورية ام ازمة نظام وكيان؟
منذ الاول
من تشرين الاول 2004، يوم محاولة الوزير والنائب مروان حماده، شهد لبنان تداعيات
مريرة في اوضاعه، ابرزها الانفجار الكبير في 14 شباط 2005، باغتيال رفيق الحريري مع
22 آخرين، يضاف لذلك العمليات الارهابية، التي استهدفت حياة سياسيين، ورجال فكر،
واعلاميين، وقادة عسكريين، ومواطنين مدنيين، ومواقع اقتصادية وسياحية. وما نجم عن
هذه التداعيات من انسحاب القوات السورية من لبنان، وصدور العديد من القرارات
الدولية، سواءً تلك المتعلقة بالوضع اللبناني عموماً، ابرزها القرار 1559، ام تلك
المتعلقة بالمحكمة الدولية، بدءً من قرار مجلس الامن، بارسال لجنة تقّصي حقائق في
25/02/2005، وبالقرار 1559، تاريخ 07/04/2005، القاضي بانشاء المحكمة الدولية ذات
الطابع الخاص بلبنان، لمحاكمة قتلة رفيق الحريري ورفاقه، وما تلاه من قرارات بهذا
الصدد، آخرها القرار رقم 1748، تاريخ 27/03/2007، ومترتبات اي من هذه القرارات،
بتعيين مفوض للاشراف على تنفيذ اي منها، من دون ان نغفل القرار رقم 1701، الصادر
بتاريخ 14/09/2006، في أعقاب حرب تموز العدوانية على لبنان، ومترتباته بنشر قوات
الطوارىء الدولية، بعد زيادة عددها وعدّتها، جنوب الليطاني، الى جانب نشر قوات
الجيش اللبناني.
ان مجمل هذه
التطورات كانت موضع جدل ونقاش وتباين في وجهات النظر ضمن الطبقة السياسية في لبنان،
مما ادى لحصول شرخ كبير في داخلها، تسبب بالانقسام بين موالاة ومعارضة.
هذا التباين
في وجهات النظر، عكس نفسه سلباً على موقع رئاسة الجمهورية، وشخص الرئيس اميل لحود،
الذي ك |